في تطور جديد يعكس مسارًا متسارعًا نحو التضييق السياسي، أصدرت محكمة تونسية حكمًا بالسجن لمدة 20 عامًا بحق رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وعدد من قيادات الحركة، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”المسامرة الرمضانية”. هذا الحكم، الذي يأتي في سياق سلسلة من الملاحقات القضائية، يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الحياة السياسية في تونس في ظل حكم الرئيس قيس سعيّد.

حكم جديد يفاقم وضع الغنوشي القضائي

أدانت المحكمة كلًا من الغنوشي ومدير مكتبه أحمد المشرقي وعضو مجلس الشورى يوسف النوري بالسجن 20 عامًا، فيما صدرت أحكام أخف بحق متهمين آخرين. ومع هذا الحكم، تتجاوز مجموع العقوبات الصادرة بحق الغنوشي في قضايا متعددة 60 عامًا، وهو ما يعكس تصعيدًا واضحًا في استهداف أحد أبرز رموز المشهد السياسي التونسي منذ ثورة 2011.

القضية تعود إلى تصريحات أدلى بها الغنوشي خلال لقاء رمضاني، اعتبرتها السلطات تحريضية، بينما تصر هيئة الدفاع على أنها كانت دعوة للتعايش ونبذ الإقصاء، ما يعزز الجدل حول الطابع السياسي للقضية.

هيئة الدفاع: محاكمة سياسية بامتياز

رفضت هيئة الدفاع عن الغنوشي الحكم بشكل قاطع، معتبرة أن القضية ذات “صبغة سياسية” تستهدف حرية التعبير والعمل السياسي المشروع. وأكدت أن التصريحات موضوع القضية لا تتضمن أي تحريض، بل تدعو إلى وحدة التونسيين.

كما أشارت الهيئة إلى نيتها الطعن في الحكم، رغم توقعها رفض الغنوشي لذلك، انطلاقًا من قناعته بأن القضاء لم يعد مستقلاً، بل أصبح أداة لتصفية الخصوم السياسيين.

موقف دولي قلق وتحذيرات أممية

في موازاة ذلك، عبّرت الأمم المتحدة عن قلقها من استمرار احتجاز الغنوشي، مطالبة بالإفراج الفوري عنه، ومشددة على أن ظروف اعتقاله تمثل انتهاكًا واضحًا للحقوق الأساسية. كما دعت إلى إجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين عن أي تجاوزات.

وحذر تقرير أممي من أن تواصل هذا النهج قد يدفع تونس نحو أزمة حقوقية حادة، ويهدد المكاسب الديمقراطية التي تحققت بعد الثورة، خاصة في ظل تراجع مؤشرات استقلال القضاء والحريات العامة.

حملة اعتقالات واسعة منذ 2023

لا يأتي هذا الحكم في فراغ، بل ضمن سياق أوسع من الاعتقالات التي بدأت منذ فبراير 2023، وشملت عشرات الشخصيات من مختلف المجالات، بينهم سياسيون معارضون، رجال أعمال، إعلاميون، وحتى مسؤولون سابقون في الدولة.

وقد ارتبطت هذه الاعتقالات بملفات متعددة مثل “التآمر” و”أنستالينغو”، والتي صدرت فيها أحكام قاسية بمئات السنوات، ما يعزز الانطباع بوجود حملة ممنهجة لإعادة تشكيل المشهد السياسي عبر القضاء.

قيس سعيّد: حرب ضد الفساد أم تصفية للخصوم؟

في المقابل، يدافع الرئيس قيس سعيّد عن هذه الإجراءات، مؤكدًا أن البلاد تخوض “حرب تحرير وطني” ضد الفساد والخيانة، وأنه لا عودة إلى الوراء. كما ينفي بشكل متكرر أي تدخل في القضاء، مشددًا على استقلاليته.

لكن منتقديه يرون أن هذه التصريحات تخفي واقعًا مختلفًا، حيث يتم استخدام الخطاب الشعبوي لتبرير التضييق على المعارضة، وإعادة تركيز السلطة في يد الرئيس، خاصة منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها في 2021.

مستقبل الديمقراطية في تونس على المحك

تطرح هذه التطورات تساؤلات عميقة حول مستقبل الديمقراطية في تونس، التي كانت تُعتبر النموذج الوحيد الناجح نسبيًا بعد الربيع العربي. فمع تزايد الاعتقالات وتراجع الحريات، يبدو أن البلاد تتجه نحو مرحلة جديدة من الحكم المركزي الصارم.

ويرى مراقبون أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى مزيد من العزلة الدولية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، في ظل غياب التوافق السياسي وتآكل الثقة في المؤسسات.

بين الأمن والاستقرار والحريات

تبقى الإشكالية الأساسية في تونس اليوم هي كيفية تحقيق التوازن بين فرض الأمن والاستقرار من جهة، واحترام الحريات السياسية وحقوق الإنسان من جهة أخرى. فبينما ترى السلطة أن الإجراءات الحالية ضرورية لإنقاذ الدولة، يعتبرها معارضوها تهديدًا وجوديًا للديمقراطية.

وفي ظل هذا الانقسام، تبدو تونس أمام مفترق طرق حاسم، حيث ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة ما إذا كانت البلاد ستعود إلى مسار ديمقراطي تعددي، أم ستكرس نموذجًا جديدًا من الحكم الفردي تحت غطاء قانوني.

اقرأ أيضًا : “لبنان جبهة قتالنا الأساسية”.. جيش الاحتلال يقر بالهزيمة الاستراتيجية في الشمال: الجنرالات يعترفون بصمود حزب الله