مع تصاعد الحرب الجارية مع إيران، برزت في الولايات المتحدة موجة جديدة من الخطاب السياسي المعادي للمسلمين، يقودها عدد من أعضاء الحزب الجمهوري داخل الكونغرس. ويأتي هذا التصعيد في وقت تتزايد فيه التوترات الدولية وتتصاعد فيه المخاوف الأمنية، وهو ما يستغله بعض السياسيين لإعادة طرح روايات قديمة تربط الإسلام بالعنف والإرهاب، وهي الروايات التي يرى مراقبون أنها تهدد التماسك الاجتماعي داخل الولايات المتحدة وتعيد إحياء أجواء الإسلاموفوبيا التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

فخلال الأيام الأخيرة، أدلى عدد من النواب الجمهوريين بتصريحات أثارت جدلا واسعا بسبب ما وصفه منتقدون بأنه تحريض مباشر ضد المسلمين الأمريكيين. فقد قال السيناتور الجمهوري عن ولاية ألاباما Tommy Tuberville إن “العدو داخل أسوارنا”، في تعليق أرفقه بصورة لعمدة نيويورك المسلم Zohran Mamdani خلال مأدبة إفطار رمضانية، إلى جانب صورة لهجمات 11 سبتمبر، في إشارة اعتبرها كثيرون محاولة لربط الإسلام بالإرهاب بشكل صريح.

تصريحات صادمة من نواب جمهوريين

لم تتوقف موجة التصريحات المثيرة للجدل عند هذا الحد. فقد كتب النائب الجمهوري عن ولاية تينيسي Andy Ogles منشورا قال فيه إن المسلمين “لا مكان لهم في الولايات المتحدة”، مضيفا أن المسلمين لا يستطيعون الاندماج في المجتمع الأمريكي، ويجب أن يعودوا إلى بلدانهم الأصلية.

كما أثارت تصريحات النائب الجمهوري عن ولاية فلوريدا Randy Fine صدمة واسعة عندما قال إن “الاختيار بين الكلاب والمسلمين ليس صعبا”، وهي عبارة اعتبرها كثيرون واحدة من أكثر العبارات عنصرية في الخطاب السياسي الأمريكي الحديث.

أما رئيس مجلس النواب Mike Johnson، فقد حاول تهدئة الجدل دون إدانة صريحة لهذه التصريحات، مكتفيا بالقول إنه تحدث مع بعض الأعضاء بشأن “نبرة الخطاب”، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى وجود مخاوف لدى بعض الأمريكيين بشأن ما وصفه بمطالب فرض الشريعة في الولايات المتحدة، وهو تصريح رأى منتقدون أنه يساهم في تأجيج المخاوف بدل احتوائها.

استغلال حوادث أمنية لتبرير خطاب الإقصاء

جاءت هذه التصريحات في أعقاب حادثتين أمنيتين أثارتا جدلا واسعا في الولايات المتحدة. الأولى وقعت في ولاية ميشيغان عندما صدم رجل بسيارته ممرا في كنيس يهودي، وتبين أنه مواطن أمريكي متجنس من أصل لبناني فقد أربعة من أفراد عائلته في غارة إسرائيلية على بلدته في لبنان خلال شهر رمضان.

أما الحادثة الثانية فكانت في جامعة بولاية فرجينيا، حيث أطلق رجل النار داخل قاعة دراسية قبل أن يتمكن طلاب من السيطرة عليه. وتبين لاحقا أنه كان قد قضى سابقا فترة سجن بسبب محاولته مساعدة تنظيم داعش.

وقد استغل بعض النواب الجمهوريين هذه الحوادث للدعوة إلى إجراءات أكثر تشددا، مثل سحب الجنسية من المواطنين المتجنسين إذا تورطوا في أعمال إرهابية، وترحيلهم خارج البلاد. وذهب بعضهم إلى المطالبة بوقف الهجرة من الدول ذات الغالبية المسلمة.

ويرى محللون أن الربط بين هذه الحوادث الفردية والجاليات المسلمة بشكل عام يمثل جزءا من خطاب سياسي يسعى إلى توظيف المخاوف الأمنية لتحقيق مكاسب انتخابية.

استحضار أجواء ما بعد 11 سبتمبر

بالنسبة لكثير من المسلمين الأمريكيين، فإن هذه اللحظة السياسية تعيد إلى الأذهان أجواء السنوات الأولى بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، حين تصاعدت موجة من الكراهية والتمييز ضد المسلمين في الولايات المتحدة.

فقد تعرضت الجاليات المسلمة آنذاك لموجة من الاعتداءات اللفظية والجسدية، كما واجه كثيرون منهم إجراءات أمنية مشددة وتمييزا في أماكن العمل والمطارات والمؤسسات التعليمية.

وتحذر منظمات حقوقية اليوم من أن تكرار الخطاب السياسي نفسه قد يؤدي إلى نتائج مشابهة، خاصة في ظل التوترات الدولية المتصاعدة والحرب الجارية في الشرق الأوسط.

انتقادات ديمقراطية وتحذيرات من خطورة الخطاب

من جانبهم، أدان الديمقراطيون هذه التصريحات بشدة. فقد وصف زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ Chuck Schumer تصريحات بعض النواب الجمهوريين بأنها “كراهية عمياء”، مؤكدا أن الإسلاموفوبيا تتعارض مع القيم الأمريكية.

كما رد عمدة نيويورك Zohran Mamdani على وصفه بأنه “العدو داخل أسوارنا” قائلا إن الساسة في واشنطن يجب أن يظهروا القدر نفسه من الغضب تجاه معاناة الأطفال الجائعين، بدلا من إثارة الكراهية ضد المسلمين.

ويرى مراقبون أن الصمت النسبي من بعض قيادات الحزب الجمهوري، ومن بينهم الرئيس السابق Donald Trump، يعكس تحولا أعمق داخل الحزب، حيث أصبح الخطاب المتشدد تجاه المسلمين جزءا من أدوات التعبئة السياسية.

الإسلاموفوبيا كأداة سياسية عابرة للحدود

ويرى محللون أن تصاعد الإسلاموفوبيا في الغرب لا يحدث بمعزل عن تأثيرات خارجية، إذ تلعب بعض الأنظمة الإقليمية دورا في تغذية هذا الخطاب عبر حملات إعلامية وسياسية تربط الإسلام السياسي بالعنف والإرهاب.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن بعض الدول الخليجية، وعلى رأسها الإمارات، استثمرت لسنوات في شبكات ضغط وعلاقات سياسية داخل الولايات المتحدة وأوروبا للترويج لروايات تربط الحركات الإسلامية بالإرهاب، وهو ما ساهم في ترسيخ مناخ سياسي يسمح بتصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين.

وفي ظل الحرب مع إيران، تبدو هذه الروايات أكثر حضورا في الخطاب السياسي الأمريكي، حيث يتم تصوير الصراع الجيوسياسي على أنه صراع حضاري أو ديني، وهو ما يحذر خبراء من أنه قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع الأمريكي نفسه.

مستقبل التعايش الديني في الولايات المتحدة

تطرح هذه التطورات تساؤلات عميقة حول مستقبل التعايش الديني في الولايات المتحدة، خاصة في ظل تزايد الاستقطاب السياسي والاجتماعي. فبينما يرى البعض أن هذه التصريحات مجرد مواقف فردية، يحذر آخرون من أنها قد تعكس توجها أوسع داخل بعض التيارات السياسية.

وفي الوقت الذي تضم فيه الولايات المتحدة ملايين المسلمين الذين يشاركون في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن استمرار خطاب الكراهية قد يقوض الأسس التي قامت عليها فكرة المجتمع الأمريكي القائم على التنوع والتعددية.

ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت المؤسسات السياسية الأمريكية قادرة على احتواء هذا الخطاب المتصاعد، أم أن الحرب في الشرق الأوسط ستفتح فصلا جديدا من الانقسامات الداخلية التي قد تمتد آثارها لسنوات طويلة.

اقرأ أيضا : تصعيد إقليمي خطير.. هجمات إيرانية متواصلة على دول الخليج واعتراض عشرات الصواريخ والمسيرات