يشهد المشهد العسكري والسياسي في السودان تحولاً جذرياً في موازين القوى، حيث توالت الضربات القاصمة على جسد ميليشيا الدعم السريع المتمردة، التي ارتبط اسمها بمخططات تخريبية مدعومة خارجياً. 

وفي تطور دراماتيكي خلال الأيام القليلة الماضية، أعلن خمسة من أبرز القادة الميدانيين والمؤسسين انشقاقهم عن الميليشيا، معلنين انحيازهم للقوات المسلحة السودانية أو اختيار طريق الحياد، مما يعكس حالة من التآكل الداخلي وفشل المشروع التخريبي الذي تقوده هذه المجموعات بدعم إماراتي واضح لزعزعة استقرار الدولة السودانية.

زلزال مجموعة “أبو رهف” وضربة الحاضنة الاجتماعية

بدأت سلسلة الانهيارات بإعلان المقدم إسماعيل علي عبدالرحمن، المعروف بـ “أبو رهف”، انشقاقه الرسمي عن صفوف الميليشيا المتمردة. 

ولم تكن هذه الخطوة مجرد انسحاب فردي عابر، بل جاءت برفقة ستة من الضباط ذوي الرتب الرفيعة والخبرة الميدانية، والذين ينتمون لثقل اجتماعي وازن من قبيلة “المحاميد”. 

إن انضمام هذه المجموعة رسمياً للجيش السوداني يمثل رسالة سياسية وعسكرية بالغة الدلالة، حيث تؤكد أن المكونات القبلية التي حاولت الميليشيا استغلالها كوقود لحربها بدأت تدرك حجم المؤامرة، وقررت العودة إلى حضن المؤسسة العسكرية الوطنية الأم، مما يفقد التمرد غطاءه الاجتماعي تدريجياً.

انشقاق بشارة الهويرة واستنزاف العصب الميداني

وفي سياق متصل، تلقى التمرد صفعة ثانية لا تقل قوة، حيث أعلن الزعيم البارز “بشارة الهويرة” انشقاقه وانحيازه الكامل لمناطق سيطرة الجيش السوداني. 

وتكمن الخطورة الفنية لهذا الانشقاق في القوة القتالية التي غادرت صفوف الميليشيا معه، إذ انسحب الهويرة برفقة قوة ميدانية ضاربة تضم إحدى عشرة عربة قتالية بكامل جنودها وعتادها الحربي. 

هذا التحول لا يقتصر أثره على إضعاف القوة الهجومية للميليشيا في مناطق التماس فحسب، بل يكرس حالة من عدم الثقة بين القيادة المركزية والقادة الميدانيين الذين باتوا يفرون بآلياتهم الثقيلة نحو مناطق الأمان التي يوفرها الجيش.

النور القبة وانهيار أعمدة التأسيس التاريخية

تعتبر حالة اللواء النور أحمد آدم، الشهير بـ “النور القبة”، هي الضربة الأقسى التي وجهت لهيكلية الميليشيا منذ بدء التمرد. 

فاللواء النور ليس مجرد قائد عابر، بل هو أحد القادة المؤسسين لكيان الدعم السريع وقائد معارك الفاشر التي راهنت عليها الميليشيا طويلاً. 

انشقاقه في الولاية الشمالية (دنقلا) قبل أيام مثل زلزالاً عسكرياً متكامل الأركان، خاصة وأنه قاد معه قوة عسكرية ضخمة قُدرت بـ 136 عربة قتالية بكامل عتادها العسكري المتطور. 

وصول “القبة” بهذا الحجم من القوة إلى مناطق الجيش يثبت أن الانقسامات وصلت إلى النخبة القيادية العليا التي أسست هذا الكيان، مما يشير إلى أن المشروع الإماراتي التخريبي بدأ يأكل نفسه من الداخل.

صدمة “السافنا” وأبعاد الانشقاق في قلب الرزيقات

لم تكد الميليشيا تستفيق من صدمة “القبة” حتى جاء إعلان علي رزق الله، المعروف بـ “السافنا”، ليزيد من تعقيد المشهد أمام قيادة التمرد. 

وتكتسب خطوة السافنا أهمية استراتيجية مضاعفة، كونه من أبرز القادة الميدانيين الذين أداروا معارك استراتيجية وحساسة في العاصمة الخرطوم ومدينة الفاشر، بالإضافة إلى انتمائه لقبيلة “الرزيقات” التي تمثل العمود الفقري البشري للميليشيا. إن انشقاق شخصية بهذا الوزن وفي هذا التوقيت يمثل مفاجأة مدوية تحمل أبعاداً عسكرية وسياسية وقبلية عميقة، وتوجه ضربة قاضية للروح المعنوية لمن تبقى من المقاتلين، حيث يرى الجميع الآن كبار القادة وهم يغادرون السفينة قبل غرقها المحتوم.

مسار الحياد وفشل الأجندة الخارجية في السودان

توجت هذه السلسلة بانشقاق النقيب بقاري المسيري الذي أعلن خروجه من تبعية الميليشيا واختيار طريق الحياد، وهي خطوة تعكس حالة الرفض التي وصلت إليها الرتب الوسيطة تجاه ممارسات الميليشيا التخريبية.

إن توالي هذه الانشقاقات الخمسة الكبرى في غضون أيام معدودة يؤكد أن لحظة الانهيار الشامل قد اقتربت، وأن الميليشيا التي تعمل كأداة لتنفيذ أجندات خارجية باتت تعيش عزلة حقيقية. 

إن هذه الانهيارات المتسارعة هي النتيجة الطبيعية للفشل في تحقيق أي هدف وطني، والاعتماد الكلي على الدعم الخارجي المشبوه الذي بدأ يتحطم أمام صمود الدولة السودانية وتماسك مؤسساتها العسكرية، مما يبشر بقرب استعادة السيادة الوطنية وتطهير كافة ربوع الوطن من دنس التمرد.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين