في مشهد يعكس إصرار النظام المصري على خنق ما تبقى من حياة سياسية حقيقية، تشهد مصر في الأسابيع الأخيرة تصعيدًا أمنيًا وقضائيًا غير مسبوق ضد رموز التيار المدني من سياسيين وحقوقيين وصحفيين، في وقت تتصاعد فيه الأزمات الداخلية والخارجية التي تواجه البلاد.
وتكشف هذه الحملة عن استراتيجية واضحة تعتمد على الضرب بيد من حديد ضد أي محاولة –مهما كانت محدودة– للتعبير عن الرأي أو المطالبة بالإصلاح.
![]()
استدعاءات وتدوير وتكميم أفواه
في مقدمة المستهدفين، تقف الإعلامية رشا قنديل، التي تم استدعاؤها من قبل نيابة أمن الدولة العليا للتحقيق في قضية جديدة ذات طابع أمني، يرجح أنها مرتبطة بمقالاتها المنتقدة لتوجهات المؤسسة العسكرية في الإنفاق على السلاح، وسط تجاهل رسمي لأي مطالبات بالإفراج عنها.
قبلها، استُدعي زوجها السياسي البارز أحمد الطنطاوي، الذي انتهت مدة حبسه بعد محاولته خوض الانتخابات الرئاسية في مواجهة عبد الفتاح السيسي، ليُواجه بقضيتين جديدتين، في ما يبدو أنه توجه ممنهج لـ”تدوير” المعارضين وإبقائهم خلف القضبان لأطول فترة ممكنة دون محاكمة عادلة.
الأمر ذاته طال الناشط السياسي والكاتب هشام قاسم، الذي حُكم عليه بالحبس والغرامة مجددًا رغم إدانته سابقًا في نفس القضية، في مشهد يفتقد لأبسط قواعد العدالة. وقُدم ناشطون آخرون إلى المحاكم أو جُدد حبسهم، ومنهم يوسف “جو الأسطورة”، وهيثم دبور، وفاطمة الزهراء، ونورهان دراز، وغيرهم كثيرون، في موجة حبس جماعية تعكس نية واضحة في تقويض أي نشاط مدني أو تعبير سلمي.
هذه الاستهدافات لا تقتصر على الساحة الداخلية، بل تمتد إلى منافذ الدولة الحدودية، كما حدث مع محمد عبد السلام، المدير التنفيذي لمؤسسة “حرية الفكر والتعبير”، الذي تمت مصادرة جواز سفره بشكل غير قانوني لدى عودته من الخارج، فيما اعتُبرت محاولة لترهيب النشطاء ومنع التواصل مع العالم الخارجي.
في الظل.. تصاعد القمع وتضاؤل فرص الإصلاح
بالرغم من تفاقم الأزمات الاقتصادية وانهيار ثقة المستثمرين الأجانب في السوق المصرية –كما تكشف تقارير متعددة– لا يبدو أن النظام يملك أي استراتيجية للتهدئة أو الانفتاح السياسي، بل يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.
فبدلًا من الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وبدلًا من مراجعة السياسات الأمنية الخانقة، تتجه الدولة لتعزيز أدوات السيطرة، واستكمال مشهد “الجمهورية العسكرية” التي لا تقبل المعارضة أو حتى النصيحة.
ويقول هشام قاسم، وهو أحد أبرز المعارضين المدنيين، إن عبد الفتاح السيسي “لا يجيد سوى أسلوب القشلاء والمعسكر”، مشيرًا إلى أن تصعيد القمع نابع من افتقاده لأي أدوات حقيقية للحكم سوى البطش، وأن دعوات الإفراج عن المعتقلين أو المصالحة الوطنية لن تجد له صدى، لأنه ببساطة “غير مؤهل للحكم ولا يملك الثقة في نفسه”.
ويدلّل قاسم على ذلك بالإشارة إلى تجاهل النظام لكل الدعوات الداخلية والخارجية للإفراج عن الناشط علاء عبد الفتاح، الذي ما يزال محتجزًا رغم انتهاء مدة حكمه، في قضية ذات طابع سياسي بحت، وهو ما دفع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر للتدخل هاتفيًا، في تطور يعكس مدى خطورة الملف الحقوقي المصري دوليًا.
ديمقراطية زائفة وانتخابات تحت الحصار
المفارقة الأكبر تتجلى في المشهد الانتخابي المقبل، حيث يتحضر النظام لتنظيم انتخابات برلمانية جديدة، في ظل استمرار حملة الاعتقالات والملاحقات ضد التيارات المدنية، وغياب كامل لأي ضمانات حقيقية لشفافية العملية.
وتحت شعار “توسيع المشاركة”، تتحالف أحزاب شكلية موالية، مثل “مستقبل وطن” و”الجبهة الوطنية”، مع دوائر المال والسلطة لتشكيل برلمان يكرّس سيطرة السلطة التنفيذية، في حين يجري تفريغ الساحة من أي صوت مستقل أو ناقد.
ويشير محللون إلى أن ظهور “الجبهة الوطنية” –المدعومة من رجل الأعمال إبراهيم العرجاني وذات البعد القبلي والعسكري– يأتي ضمن مخطط إحلال طبقة سياسية موالية للنظام محل التيار المدني.
ويظهر ذلك جليًا في اختيار أعضاء الحزب، الذين يمثلون مزيجًا من رجال أعمال، ولاعبي كرة سابقين، وفنانين، دون أي خلفيات سياسية أو برامج حقيقية، لتجميل صورة النظام وإيهام الداخل والخارج بوجود حياة حزبية وانتخابات.
في المقابل، يواجه من يرفضون الانخراط في هذا المشهد الزائف القمع والتهميش، حتى وصل الأمر إلى اتهامهم بخيانة الوطن. ويُنظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها مجرد حلقة جديدة في مسرحية طويلة، تسعى لترسيخ الحكم الفردي وحرمان الشعب من أي فرصة للتغيير السلمي.
ديكور فارغ ونظام مأزوم
تتجلى خطورة المشهد في أن النظام المصري، بدلًا من معالجة أزماته المتفاقمة، يختار الهروب للأمام عبر توسيع القمع، وتفكيك ما تبقى من مجتمع مدني، وتحويل أي تحرك سياسي إلى ملف أمني. وفي ظل هذا الواقع، لا يبدو أن هناك أفقًا لإصلاح حقيقي أو مصالحة، بل مزيد من الانغلاق والتصلب.
ويُطرح السؤال الحتمي: إلى متى سيستمر النظام في إغلاق المجال العام وتهديد كل من يرفع صوته؟ وهل سيصمد هذا “الديكور الديمقراطي” طويلًا أمام حجم الأزمات التي تحيط بالبلاد من كل جانب؟
الوقائع تشير إلى أن مصر تتجه إلى مرحلة أشد من القمع السياسي، لا تقل خطورة عن أشد مراحل الاستبداد التي عرفها تاريخها الحديث، ما يجعل من التغيير ضرورة وجودية، لا مجرد خيار سياسي.
اقرأ أيضًا : ستارمر يواجه السيسي بملف علاء عبد الفتاح.. اختبار مبكر لحكومة بريطانيا في ملف حقوق الإنسان بمصر