تشهد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط منذ أسابيع تصعيدًا خطيرًا مع إعلان الحرس الثوري الإيراني تنفيذ موجة جديدة من الهجمات الصاروخية الواسعة ضد إسرائيل وأهداف أمريكية في المنطقة، في خطوة تعكس تحولا واضحًا في طبيعة الصراع من مواجهات محدودة إلى حرب إقليمية مفتوحة متعددة الجبهات. ومع دخول ما يُعرف بعملية “الوعد الصادق 4” موجتها الخامسة والثلاثين، تبدو المنطقة أمام مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، حيث تتداخل الضربات العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية والأمنية للدول المتورطة.
وبينما تؤكد طهران أن هجماتها تأتي ردًا على ما تصفه بـ”العدوان الأمريكي الإسرائيلي” الذي استهدف أراضيها وأودى بحياة مئات الأشخاص بينهم قادة عسكريون كبار، ترى واشنطن وتل أبيب أن هذه الضربات تمثل تصعيدًا خطيرًا يهدد أمن المنطقة ويستهدف مصالحهما الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

الموجة الصاروخية الخامسة والثلاثون
أعلن الحرس الثوري الإيراني في بيان رسمي أن قواته نفذت هجمات صاروخية استراتيجية واسعة النطاق استهدفت إسرائيل وقواعد أمريكية في المنطقة، ضمن المرحلة الجديدة من عملياته العسكرية التي بدأت منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير الماضي.
ووفق البيان الإيراني، استخدمت طهران في هذه الهجمات مجموعة من الصواريخ الباليستية المتطورة، بينها صواريخ “فتاح” و”عماد” و”خيبر شكن” و”خرمشهر” و”قادر”، وهي من أبرز الصواريخ بعيدة المدى التي يمتلكها البرنامج الصاروخي الإيراني.
هذه الصواريخ تمثل العمود الفقري لاستراتيجية الردع الإيرانية، حيث صممت لتجاوز منظومات الدفاع الجوي والوصول إلى أهداف بعيدة بدقة عالية، وهو ما يفسر استمرار القلق الإسرائيلي من قدرة طهران على مواصلة إطلاق الصواريخ رغم الضربات الجوية التي تستهدف بنيتها العسكرية.
وتزامنت الهجمات مع إطلاق صفارات الإنذار في مناطق واسعة وسط إسرائيل، بما يشمل السهل الساحلي ومنطقة هشارون، ما يشير إلى أن الصواريخ الإيرانية تمكنت مجددًا من اختراق الأجواء والوصول إلى عمق الأراضي المحتلة.
الذخائر العنقودية وسلاح الضغط النفسي
من التطورات اللافتة في هذه الجولة من المواجهة إعلان الجيش الإسرائيلي أن نحو نصف الصواريخ الإيرانية التي أطلقت باتجاه إسرائيل تحمل رؤوسًا حربية عنقودية.
هذه الذخائر تنفجر في الجو قبل وصولها إلى الأرض، مطلقة عشرات القنابل الصغيرة التي تنتشر على مساحة واسعة، ما يزيد من حجم الأضرار ويخلق مخاطر إضافية نتيجة تساقط الشظايا والذخائر غير المنفجرة.
ويحمل استخدام هذا النوع من الأسلحة بعدًا عسكريًا ونفسيًا في آن واحد، إذ يؤدي إلى تعطيل حركة المدن والمرافق الحيوية وإجبار السكان على البقاء في الملاجئ لفترات أطول، وهو ما يضيف ضغطًا كبيرًا على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
كما أن انتشار القنابل الصغيرة يزيد من صعوبة التعامل مع آثار الهجمات، لأن بعضها قد يبقى غير منفجر لفترات طويلة، ما يحول المناطق المستهدفة إلى حقول خطر تهدد المدنيين.
استهداف القواعد الأمريكية وتوسيع رقعة الصراع
لم تقتصر الهجمات الإيرانية على إسرائيل فحسب، بل امتدت إلى ما تصفه طهران بـ”المصالح الأمريكية” في المنطقة، في إشارة إلى القواعد العسكرية المنتشرة في عدد من الدول العربية.
هذه الخطوة تعكس تحولًا مهمًا في الاستراتيجية الإيرانية، إذ تسعى طهران إلى نقل المعركة من إطار المواجهة الثنائية مع إسرائيل إلى صراع مباشر مع الولايات المتحدة، باعتبارها الداعم الرئيسي للعمليات العسكرية ضدها.
وتشير هذه السياسة إلى محاولة إيرانية لرفع كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها، عبر ضرب مواقع عسكرية أو مصالح اقتصادية مرتبطة بالوجود الأمريكي في المنطقة.
غير أن هذا التوجه يحمل مخاطر كبيرة، لأنه قد يدفع الولايات المتحدة إلى توسيع تدخلها العسكري بشكل أكبر، ما قد يؤدي إلى اندلاع مواجهة إقليمية واسعة يصعب احتواؤها.
الخليج في مرمى النيران
ومع توسع نطاق العمليات العسكرية، أصبحت دول الخليج إحدى ساحات المواجهة غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة.
في البحرين، سُمع دوي انفجارات في العاصمة المنامة بعد هجمات صاروخية إيرانية جديدة، في وقت أعلنت فيه السلطات سقوط قتلى منذ بدء الضربات الإيرانية على البلاد.
كما أعلنت السعودية اعتراض طائرتين مسيرتين في منطقة الربع الخالي كانتا متجهتين إلى حقل شيبة النفطي، أحد أهم الحقول النفطية في المملكة.
وفي الكويت، أعلنت وزارة الدفاع اعتراض صاروخين باليستيين وست طائرات مسيرة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، مؤكدة إصابة عشرات العسكريين منذ بداية الهجمات الإيرانية.
هذه التطورات تشير إلى أن الحرب لم تعد محصورة بين إيران وإسرائيل، بل بدأت تمس أمن الخليج بشكل مباشر، وهو ما يثير مخاوف من تهديد إمدادات الطاقة العالمية وتعريض البنية التحتية النفطية للخطر.
حرب إقليمية تتشكل ملامحها
مع استمرار الضربات المتبادلة وتوسع دائرة الاستهداف، تبدو المنطقة أمام سيناريو حرب إقليمية متعددة الأطراف، تشارك فيها قوى دولية وإقليمية بشكل مباشر أو غير مباشر.
فالولايات المتحدة وإسرائيل تواصلان ضرباتهما ضد إيران، بينما ترد طهران بالصواريخ والمسيرات ليس فقط على إسرائيل بل على مواقع ومصالح مرتبطة بواشنطن في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تجد دول الخليج نفسها في قلب هذا الصراع رغم محاولاتها تجنب الانخراط المباشر فيه، بسبب وجود قواعد أمريكية أو منشآت استراتيجية على أراضيها.
وبينما تتحدث بعض العواصم الدولية عن ضرورة احتواء التصعيد وفتح قنوات للحوار، تشير الوقائع الميدانية إلى أن الحرب تتجه نحو مزيد من التصعيد، في ظل غياب أي مؤشرات حقيقية على قرب التوصل إلى تسوية سياسية.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن أن تستمر هذه المواجهة قبل أن تتحول إلى حرب شاملة تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط بأكمله.
اقرأ أيضا : ليندسي غراهام يهاجم السعودية ويضغط لجرّ الخليج إلى الحرب ضد إيران