تشهد جبهة النيل الأزرق في السودان تحولًا عسكريًا متسارعًا، وسط مؤشرات متزايدة على انتقال جانب من الثقل اللوجستي والجوي لقوات الدعم السريع إلى داخل الأراضي الإثيوبية، بالتزامن مع ازدياد استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف مواقع الجيش السوداني ومدن المنطقة.

وتتهم السلطات السودانية إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها في تدريب عناصر قوات الدعم السريع وإطلاق عمليات بالطائرات المسيّرة وتسهيل الإمداد اللوجستي، فيما تتهم أبوظبي بتمويل ودعم هذه الشبكة. وقال معتمد الكرمك عبد العاطي محمد الفكي، مطلع سبتمبر، إن أربعة معسكرات داخل إثيوبيا تستخدم لتدريب عناصر الدعم السريع ومقاتلين أجانب، إلى جانب تشغيل مسيّرات وتمرير الدعم اللوجستي. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من جميع هذه الاتهامات.

نشاط إماراتي متزايد عبر إثيوبيا

تتقاطع الاتهامات السودانية مع مؤشرات مستقلة على زيادة النشاط العسكري المرتبط بإثيوبيا خلال الأشهر الأخيرة.

وتشير دراسة لمشروع «Critical Threats» إلى رصد 44 رحلة مرتبطة بالإمارات يُشتبه في نقلها إمدادات عسكرية إلى قوات الدعم السريع عبر إثيوبيا خلال أغسطس/آب 2026 وحده، مقارنة برحلتين فقط في سبتمبر/أيلول 2025. كما رُصدت زيادة في الرحلات المرتبطة بالإمارات إلى مدينة أصوصا في إقليم بني شنقول-قمز، القريب مباشرة من الحدود السودانية.

وتحدثت تقارير أخرى، استنادًا إلى صور الأقمار الصناعية ومصادر مفتوحة، عن حشود عسكرية ومركبات وحاويات داخل قاعدة إثيوبية في أصوصا، في منطقة أصبحت ذات أهمية متزايدة مع اتساع القتال داخل ولاية النيل الأزرق.

من نيالا وكردفان إلى إثيوبيا

الأكثر دلالة هو التغير في أنماط تشغيل المسيّرات.

فخلال مراحل سابقة من الحرب، ارتبطت عمليات جوية لقوات الدعم السريع بمناطق سيطرتها داخل دارفور وكردفان. أما خلال الأشهر الأخيرة، فقد تزايدت الاتهامات السودانية بأن بعض المسيّرات التي تستهدف النيل الأزرق ومواقع أخرى داخل السودان تنطلق من الأراضي الإثيوبية.

وبحسب «Critical Threats»، أسقط الجيش السوداني عدة مسيّرات في النيل الأزرق منذ أواخر أغسطس، بينها طائرات من طراز «أكنجي» التركية وCH-95 الصينية، وقال الجيش إن بعضها انطلق من إثيوبيا.

وكان الجيش السوداني قد أعلن في مايو/أيار امتلاكه بيانات من طائرة مسيّرة أسقطها في مارس، قال إنها أقلعت من قاعدة جوية إثيوبية قبل دخول السودان. وعرض الجيش ما قال إنها بيانات رحلة لطائرة «أكنجي»، فيما أشارت «Janes» إلى أن هذا الطراز موجود في خدمة كل من إثيوبيا والإمارات.

صاروخ İHA-230 يدخل المعادلة

وتزداد خطورة المشهد مع ظهور صاروخ İHA-230 التركي الصنع في الحرب السودانية.

الصاروخ، الذي طورته شركة «روكيتسان»، مخصص للإطلاق من الطائرات المسيّرة، ولا سيما منصة «Bayraktar Akıncı». ويصل مداه إلى أكثر من 150 كيلومترًا، ويحمل رأسًا حربيًا يزن نحو 42 كيلوغرامًا، ويستخدم أنظمة ملاحة بالقصور الذاتي والأقمار الصناعية.

وقد ظهرت بالفعل أجزاء من منظومة توجيه صاروخ İHA-230 داخل السودان في يونيو/حزيران الماضي، وهو ما عُد أول دليل معلن على استخدامه قتاليًا خارج تركيا.

وتكمن خطورة هذه المنظومة في أن إطلاق الصاروخ من طائرة «أكنجي» من مسافة بعيدة يسمح باستهداف مواقع داخل السودان من دون اضطرار المنصة نفسها إلى الاقتراب كثيرًا من الدفاعات الجوية أو البقاء لفترات طويلة داخل المجال الجوي السوداني.

لكن حتى الآن، لا تتوافر لدي أدلة علنية كافية تثبت أن الإمارات سلّمت إثيوبيا تحديدًا دفعة من صواريخ İHA-230. الثابت هو وجود الصاروخ داخل مسرح العمليات السوداني، وامتلاك إثيوبيا منصة «أكنجي»، ووجود اتهامات قوية باستخدام الأراضي الإثيوبية في عمليات المسيّرات.

النيل الأزرق داخل دائرة الخطر

جغرافيًا، فإن انتشار منصة مسلحة بصواريخ يتجاوز مداها 150 كيلومترًا قرب الحدود السودانية يغيّر معادلة الدفاع في النيل الأزرق.

فالمدن والقواعد العسكرية ومراكز القيادة الواقعة داخل الولاية يمكن أن تصبح عرضة لضربات بعيدة المدى، من دون الحاجة إلى توغل عميق للمسيّرات داخل المجال الجوي السوداني.

ويمنح ذلك الطرف المهاجم قدرة أكبر على استهداف مراكز القيادة والسيطرة والبنية العسكرية، مع تقليل تعرض المنصات الجوية الأكبر حجمًا لخطر الإسقاط.

ماذا يعني تزايد المسيّرات الانتحارية؟

هناك تفسير عسكري مهم يستحق الفصل بينه وبين الاستنتاج السياسي.

زيادة الاعتماد على المسيّرات الانتحارية قد تعني أن تشغيل الطائرات الاستراتيجية الأكبر حجمًا أصبح أكثر خطورة بسبب تحسن الدفاعات الجوية السودانية، وهو ما قد يدفع القوات المهاجمة إلى استخدام أسلحة أرخص وأصغر وأكثر قابلية للاستهلاك.

لكن هذا لا يثبت وحده أن الجيش السوداني حقق «سيطرة جوية» كاملة؛ التعبير الأدق هو أن الدفاعات السودانية ربما نجحت في رفع تكلفة تشغيل المسيّرات الاستراتيجية وإجبار الخصم على تعديل تكتيكاته.

وهذا فرق مهم عسكريًا.

هل انتقل مركز الإمداد إلى إثيوبيا؟

المؤشرات الحالية تجعل هذا الاحتمال أكثر جدية من أي وقت سابق.

وجود معسكرات يُتهم الدعم السريع باستخدامها داخل إثيوبيا، وتزايد الرحلات المرتبطة بالإمارات إلى أصوصا، وظهور المسيّرات الاستراتيجية على جبهة النيل الأزرق، والاتهامات بإطلاق بعضها من الأراضي الإثيوبية، كلها تشير إلى أن شرق إثيوبيا وغربها القريب من السودان قد يتحول إلى عمق لوجستي خلفي جديد للحرب.

كما أن بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة أكدت هذا الشهر أن شبكات الدعم الخارجي أصبحت عاملًا أساسيًا في استمرار الحرب السودانية، وأن الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية والطائرات المسيّرة القادمة من الخارج رفعت بصورة كبيرة قدرة الأطراف المتحاربة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى. وأشارت تحقيقات البعثة إلى شبكات مرتبطة بالإمارات في دعم قوات الدعم السريع، بينما تنفي أبوظبي باستمرار تقديم دعم عسكري للقوات.

وهنا يصبح التطور في النيل الأزرق أكبر من مجرد تغير في مسار الطائرات المسيّرة؛ فإذا ثبت أن منظومات بعيدة المدى ومنصات استراتيجية تعمل بصورة منتظمة انطلاقًا من الأراضي الإثيوبية، فإن الحرب السودانية تكون قد دخلت مرحلة أكثر خطورة، تتحول فيها دولة مجاورة من ممر خلفي للإمداد إلى منصة عمليات عسكرية مباشرة.