في تصعيد هو الأخطر منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية، شنّ جيش الاحتلال مساء الخميس سلسلة غارات جوية على الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، مستهدفًا مواقع قال إنها “قريبة من بنى تحتية لحزب الله”. هذه الغارات، التي بلغت وفق مصادر ميدانية 23 ضربة متتالية، تعيد لبنان إلى أجواء الحرب المفتوحة، وتطرح أسئلة حول مستقبل الهدنة الهشة ومآلات الصراع في المنطقة.
الضاحية تحت النار.. عودة لغة الإنذارات والقصف
بدأت العملية بإصدار المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي سلسلة تحذيرات لسكان أحياء الحدث، وحارة حريك، وبرج البراجنة في الضاحية الجنوبية، مطالبًا بإخلاء المباني فورًا، مرفقًا خرائط تفصيلية لما زعم أنها منشآت قريبة من بنى تحتية تابعة لحزب الله.
بعد ساعات قليلة، تحولت التهديدات إلى أفعال. قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية مبنى في محيط مسجد القائم، سبق أن تم التحذير من التواجد فيه، ثم تتابعت الضربات لتشمل أهدافًا أخرى لم يُعلن عنها بالكامل حتى الآن. الغارات أعادت إلى الأذهان مشاهد العدوان الإسرائيلي الواسع الذي بدأ في أكتوبر 2023، وتحوّل لاحقًا إلى حرب شاملة حتى خريف 2024.
رسالة مزدوجة: عسكرية وسياسية
بحسب وسائل إعلام إسرائيلية، فإن الضربة الجوية على الضاحية هي “الأكبر منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر الماضي”، ما يكشف أن الاحتلال لا يكتفي برسائل محدودة أو تحذيرات إعلامية، بل يسعى إلى تغيير قواعد الاشتباك على الأرض.
توقيت القصف، وتوسّع رقعته، يشيران إلى أن إسرائيل أرادت توجيه رسالة مزدوجة: أولًا، إلى حزب الله بأن ساحة بيروت لم تعد “خطًا أحمرًا”، وثانيًا، إلى الحلفاء في واشنطن بأنها ماضية في استراتيجيتها تجاه لبنان دون تراجع، إذ أفادت المصادر العبرية بأن الجيش الإسرائيلي أبلغ الولايات المتحدة مسبقًا بتنفيذ هذه الضربات، وهو ما يعزز فرضية وجود ضوء أخضر أمريكي أو على الأقل غضّ طرف مؤقت.
وقف إطلاق النار.. مجرد حبر على ورق؟
الضربة الجديدة تطرح مجددًا مصداقية اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر 2024. فمنذ لحظة دخوله حيز التنفيذ، ارتكبت إسرائيل أكثر من 7 آلاف خرق بحسب الإحصاءات اللبنانية الرسمية، أسفرت عن استشهاد 208 مدنيين وإصابة أكثر من 500 آخرين، ما يجعل من هذا الاتفاق شكليًا في ظل غياب ضمانات دولية حقيقية.
الغارات على الضاحية تُمثّل قفزة نوعية في هذه الخروقات، إذ أنها تُستهدف قلب الضاحية التي تعد المعقل السياسي والأمني الأبرز لحزب الله، ما يعني أن إسرائيل لم تعد تلتزم حتى بالحدود الرمزية لـ”وقف النار”.
الاحتلال لم ينته.. والمقاومة تترقب
رغم إعلان انسحاب جزئي من جنوب لبنان، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي احتلال خمسة تلال لبنانية منذ نهاية الحرب، وهو ما يبقي جبهة الجنوب مفتوحة من الناحية العملياتية. ويأتي هذا التصعيد في وقت تُبقي فيه المقاومة اللبنانية حالة التأهب القصوى، من دون الرد حتى الآن، ما يشير إلى احتمال وجود تقييم داخلي دقيق لطبيعة الرد المطلوب، وتوقيته، وأبعاده.
السكوت حتى اللحظة قد يكون جزءًا من تكتيك أكبر، بانتظار أن تتضح نوايا الاحتلال ومدى استعداده لتوسيع رقعة التصعيد إلى ما يشبه حربًا مفتوحة جديدة، أو الاكتفاء بردع محدود لأسباب سياسية داخلية.
هل نحن أمام سيناريو 2006 جديد؟
ما يجري في بيروت قد يكون مقدمة لسيناريو مشابه لحرب 2006، لكن في سياق إقليمي أكثر تعقيدًا: حرب في غزة مستمرة، وأزمة في البحر الأحمر، ومفاوضات نووية متعثرة مع إيران. جميعها تُعقّد المشهد وتفتح المجال لاحتمالات عديدة، أبرزها انفجار الجبهة الشمالية بما يتجاوز لبنان نحو صراع إقليمي.
الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت ليست حادثًا عابرًا، بل تغيير في قواعد اللعبة. إنها محاولة لإعادة فرض الردع بالقوة، ورسالة سياسية موجهة لحزب الله، والداخل الإسرائيلي، وواشنطن. لكن في المقابل، فإن أي رد من المقاومة – إذا جاء – قد يفتح بوابة جهنم على المنطقة بأكملها، في وقت لم تعد فيه المنطقة قادرة على تحمّل حرب جديدة.
اقرأ أيضا: عباس في بيروت.. مهمة مشبوهة لنزع سلاح المقاومة تحت غطاء لبناني رسمي