في تطور يعكس عمق الانقسام داخل الولايات المتحدة بشأن العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، صعّد حاكم ولاية كاليفورنيا، غافن نيوسوم، هجومه على الرئيس دونالد ترامب، معتبراً أن الضربات العسكرية ضد طهران “غير قانونية” وتمثل مغامرة خطيرة قد تدفع البلاد نحو حرب إقليمية مفتوحة لا يريدها الأمريكيون.

نيوسوم، الذي يُعد من أبرز الوجوه الديمقراطية ومرشحاً محتملاً للرئاسة، لم يكتف بانتقاد التكلفة السياسية للقرار، بل طعن في أساسه الدستوري، مشيراً إلى أن الكونغرس لم يمنح تفويضاً واضحاً لإعلان الحرب، وأن الإدارة تتصرف خارج الأطر القانونية المتعارف عليها. وفي ظل تصاعد المواجهة عقب الهجمات الإسرائيلية الأمريكية المشتركة التي استهدفت مواقع قيادية وعسكرية داخل إيران، بدا أن الجبهة الداخلية الأمريكية بدأت تتصدع تحت وطأة الأسئلة حول الشرعية والجدوى.

الحاكم الديمقراطي رأى أن البيت الأبيض يتعامل مع ملف خطير بحجم الحرب وكأنه أداة لتحسين الصورة السياسية، لا باعتباره قراراً استراتيجياً يحدد مصير البلاد. واعتبر أن التصعيد العسكري يأتي في لحظة حساسة داخلياً، حيث تواجه الإدارة انتقادات متزايدة بشأن التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

كلفة اقتصادية باهظة واتهامات بتجاهل الداخل

ركز نيوسوم في خطابه على البعد الاقتصادي، معتبراً أن الحرب ستدفع الأمريكيين ثمنها مباشرة عبر ارتفاع أسعار الوقود والطاقة. وقال إن أسعار البنزين بدأت بالفعل بالارتفاع خلال الأيام الماضية، محمّلاً إدارة ترامب مسؤولية ذلك، ومشيراً إلى أن أي اضطراب إضافي في أسواق النفط العالمية نتيجة التصعيد مع إيران سيترجم فوراً إلى أعباء جديدة على المستهلكين.

التصعيد العسكري في منطقة الخليج، وإغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة فيه، كلها عوامل تزيد من حالة القلق في الأسواق. ونيوسوم شدد على أن “الميزة الوحيدة المتبقية” التي كانت الإدارة تتباهى بها، وهي استقرار أسعار الوقود، بدأت تتلاشى مع اتساع رقعة المواجهة. واعتبر أن الإدارة بدلاً من معالجة أزمة الغلاء، “تفاقمها عبر خفض الضرائب على المليارديرات وتقليص تمويل الصحة والرعاية الاجتماعية لتمويل حرب لا يريدها أحد”.

هذا الخطاب يندرج ضمن محاولة واضحة لربط السياسة الخارجية بالهموم اليومية للأمريكيين، في ظل شعور متزايد بأن أولويات البيت الأبيض تنحرف عن القضايا التي خاض عليها حملته الانتخابية. كما أشار نيوسوم إلى أن الإدارة لم تقدم رؤية واضحة بشأن نهاية الحرب أو استراتيجية للخروج منها، محذراً من أن غياب خطة سياسية سيحوّل التدخل العسكري إلى مستنقع طويل الأمد.

البعد الإنساني وانتقاد “العدوان الإسرائيلي الأمريكي”

لم يغفل نيوسوم في هجومه الجانب الإنساني للحرب، حيث ندد بما وصفه بـ”مجزرة مدرسة البنات” في أول أيام العدوان، متسائلاً عن سبب “ذبح 160 طفلة صغيرة في المدرسة”. هذه الإشارة جاءت في سياق تحميل إسرائيل والولايات المتحدة مسؤولية التصعيد الدموي، واعتبار أن العمليات العسكرية لا تميز بين أهداف عسكرية ومدنية.

العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، بحسب منتقديه، لم يقتصر على استهداف بنى عسكرية، بل فتح الباب أمام موجة واسعة من الردود والردود المضادة، شملت قصف قواعد ومواقع في المنطقة، ما ينذر بانزلاق شامل. وفي هذا السياق، حذر نيوسوم من أن استمرار التصعيد قد يحوّل المواجهة المحدودة إلى حرب إقليمية أوسع تمتد إلى دول الخليج وشرق المتوسط.

ويرى مراقبون أن خطاب الحاكم الديمقراطي يعكس قلقاً حقيقياً داخل قطاعات من النخبة السياسية الأمريكية من تكرار سيناريوهات سابقة، حيث بدأت تدخلات عسكرية محدودة وانتهت بحروب طويلة مكلفة بشرياً ومالياً. كما أن ربطه بين الحرب و”إنعاش الشعبية المتراجعة” للرئيس يشير إلى قراءة سياسية تعتبر أن القرار العسكري قد يكون مدفوعاً بحسابات داخلية أكثر من كونه استجابة لتهديد وشيك.

معركة رئاسية مبكرة على خلفية الحرب

لا يمكن فصل تصعيد نيوسوم عن طموحاته السياسية. فالحاكم الذي سعى في الأسابيع الأخيرة إلى توسيع حضوره الدولي عبر مشاركته في منتديات اقتصادية وأمنية، يقدم نفسه بديلاً لنهج الإدارة الحالية. ومن خلال انتقاداته الحادة، يحاول ترسيخ صورة رجل الدولة الذي يوازن بين الأمن القومي والاعتبارات الدستورية والاقتصادية.

في المقابل، تدافع الإدارة عن قرارها باعتباره ضرورة لحماية المصالح الأمريكية وردع إيران، مؤكدة أن الضربات استهدفت بنية عسكرية وأمنية تشكل “تهديداً وشيكاً”. غير أن غياب نقاش موسع في الكونغرس، وتباين المواقف داخل الحزبين، يعكسان أن الحرب لم تحظ بإجماع وطني.

ومع استمرار العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، وتزايد الردود الإيرانية في المنطقة، تبدو الولايات المتحدة أمام مفترق طرق: إما الانخراط في صراع مفتوح يحمل تداعيات استراتيجية واقتصادية خطيرة، أو البحث عن مخرج سياسي يوقف الانزلاق. وفي خضم هذا المشهد، تتحول الحرب من مواجهة خارجية إلى ساحة صراع داخلي حول الشرعية والكلفة والمستقبل السياسي للبلاد.

اقرأ أيضًا : استهدافات إيرانية متواصلة لمواقع خليجية وإصابات في دبي وسط تصاعد المواجهة الإقليمية