تشهد جبهة شمال فلسطين المحتلة تصعيدًا عسكريًا لافتًا بعد إعلان حزب الله اللبناني تنفيذ سلسلة هجمات صاروخية ومسيّرة استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية ومنشآت مرتبطة بالصناعات العسكرية، في خطوة اعتبرها الحزب ردًا مباشرًا على العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان. وتكشف هذه الضربات عن تحول واضح في طبيعة المواجهة، حيث انتقلت العمليات من استهداف مواقع حدودية إلى ضرب منشآت عسكرية ذات طابع استراتيجي في عمق الجبهة الشمالية للاحتلال.

ويأتي هذا التصعيد في سياق توسع رقعة الحرب في المنطقة منذ الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران أواخر فبراير الماضي، وما تبعه من تبادل ضربات بين أطراف متعددة في الشرق الأوسط، ما أدى إلى فتح عدة جبهات متزامنة ضد إسرائيل، أبرزها الجبهة اللبنانية التي باتت تشكل تحديًا متصاعدًا للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

هجوم واسع بالصواريخ والطائرات المسيّرة

أعلن حزب الله أن مقاتليه نفذوا نحو ثلاثين عملية هجومية منذ صباح الثلاثاء، استهدفت قواعد عسكرية إسرائيلية وتجمعات للجيش في عدة مناطق حدودية. وشملت العمليات قصف تجمعات للقوات الإسرائيلية في مواقع متعددة مثل وادي العصافير وتلة الحمامص وخلة المحافر وشرق معتقل الخيام، وهي مواقع تشهد نشاطًا عسكريًا مكثفًا منذ بدء التوترات الأخيرة.

وبحسب بيان الحزب، فإن الهجمات جاءت باستخدام صليات صاروخية مكثفة وطائرات مسيّرة انقضاضية، في محاولة لإرباك الدفاعات الجوية الإسرائيلية واستنزاف قدراتها في التصدي لهجمات متعددة الاتجاهات. كما أعلن الحزب أن هذه العمليات تأتي في إطار الرد على الضربات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت عشرات المدن والبلدات اللبنانية، بما في ذلك الضاحية الجنوبية لبيروت.

هذا النمط من العمليات يشير إلى محاولة حزب الله فرض معادلة ردع جديدة، تقوم على الرد المباشر والمؤلم على الضربات الإسرائيلية، بدلاً من الاكتفاء بردود محدودة أو رمزية كما كان يحدث في مراحل سابقة من الصراع.

استهداف قاعدة شمشون الإستراتيجية

أبرز العمليات التي أعلن عنها الحزب تمثلت في استهداف قاعدة “شمشون” العسكرية غرب بحيرة طبريا بسرب من الطائرات المسيّرة. وتعد هذه القاعدة مركز تجهيز قيادي ووحدة دعم إقليمية للجيش الإسرائيلي، ما يجعلها هدفًا ذا أهمية استراتيجية.

ويعكس اختيار هذا الهدف محاولة واضحة لضرب البنية اللوجستية التي يعتمد عليها الجيش الإسرائيلي في إدارة عملياته العسكرية في الجبهة الشمالية. فالقاعدة تلعب دورًا في التنسيق العملياتي وتوفير الدعم للقوات المنتشرة في المنطقة، وبالتالي فإن استهدافها يحمل رسالة عسكرية وسياسية في آن واحد.

كما أعلن الحزب أيضًا استهداف قاعدة “تسيبوريت” شرق مدينة حيفا بسرب من المسيّرات، وهي عملية وصفها بأنها الأولى من نوعها ضد هذه القاعدة منذ اندلاع المواجهات الحالية، ما يشير إلى توسيع دائرة الأهداف التي باتت ضمن نطاق العمليات.

ضرب الصناعات العسكرية الإسرائيلية

لم تقتصر الضربات على المواقع العسكرية المباشرة، بل امتدت لتشمل منشآت مرتبطة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية. فقد أعلن حزب الله استهداف شركة “يوديفات” للصناعات العسكرية جنوب شرق مدينة عكا بصواريخ دقيقة، في خطوة تعكس توجهاً نحو ضرب القدرات الصناعية الدفاعية لإسرائيل.

كما أعلن الحزب قصف موقع “مشمار الكرمل” للدفاع الصاروخي جنوب مدينة حيفا، وهو موقع يلعب دورًا في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية التي تهدف إلى اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويرى مراقبون أن استهداف هذه المنشآت يهدف إلى توجيه رسالة مفادها أن أي حرب شاملة لن تقتصر على الجبهات العسكرية فحسب، بل قد تمتد إلى البنية الصناعية والأمنية التي تدعم المجهود الحربي الإسرائيلي.

صفارات الإنذار تعم شمال فلسطين المحتلة

في المقابل، أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية عن تفعيل صفارات الإنذار في عدد كبير من المستوطنات شمالي البلاد، بما في ذلك مدينة المطلة ومنطقة كرميئيل وعدة بلدات في الجليل الأعلى.

وذكر الجيش الإسرائيلي أنه رصد إطلاق عدة صواريخ من لبنان باتجاه الجليل، مشيرًا إلى أن بعض هذه الصواريخ تم اعتراضه بينما سقطت أخرى في مناطق مفتوحة. ومع ذلك، فإن تكرار إطلاق الصواريخ بوتيرة مرتفعة أدى إلى حالة من القلق في المناطق الشمالية، حيث اضطر السكان إلى التوجه نحو الملاجئ بشكل متكرر.

وتشير هذه التطورات إلى أن الجبهة الشمالية باتت تعيش حالة استنزاف يومي، حيث تضطر منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية إلى التعامل مع موجات متتالية من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

رد مؤلم يغير قواعد الاشتباك

يبدو أن العمليات التي نفذها حزب الله تحمل أبعادًا تتجاوز مجرد الرد العسكري المباشر، إذ تعكس محاولة لتغيير قواعد الاشتباك في المواجهة مع إسرائيل. فاستهداف القواعد الاستراتيجية ومنشآت الصناعات العسكرية يشير إلى أن الحزب يسعى إلى رفع كلفة الحرب على إسرائيل وإجبارها على إعادة حساباتها.

ويأتي ذلك في ظل استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية على لبنان، التي أسفرت بحسب وزارة الصحة اللبنانية عن مقتل أكثر من 570 شخصًا وإصابة أكثر من 1400 آخرين، بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء.

ومع اتساع رقعة الصراع الإقليمي، تبدو المواجهة بين حزب الله وإسرائيل مرشحة لمزيد من التصعيد، خاصة إذا استمرت الضربات المتبادلة واستهداف البنية العسكرية والاستراتيجية للطرفين. وفي ظل هذا المشهد، يزداد القلق من أن تتحول الجبهة اللبنانية إلى ساحة حرب مفتوحة قد تعيد رسم موازين القوة في المنطقة بأسرها.

اقرأ أيضا : اختراق سيبراني يكشف هويات طياري الاحتلال المتورطين في قصف المدنيين