في خطوة جديدة تُجسّد الانحدار الأخلاقي والسياسي لمسار التطبيع الإماراتي، استقبلت دولة الإمارات وزير التربية والتعليم الإسرائيلي يوآف كيش في زيارة رسمية استمرت أسبوعًا كاملًا، التقى خلالها بنظيرته الإماراتية سارة بنت يوسف الأميري، بهدف توسيع التعاون في مجالي التعليم والتعليم العالي، وفق ما أُعلن رسميًا.

الزيارة، التي جرى تسويقها تحت عناوين “تبادل الخبرات” و”بناء شراكات أكاديمية”، لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الأشمل، ولا عن الجرائم الإسرائيلية المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني، ولا عن مشروع تطبيعي إماراتي متكامل يسعى إلى دمج الاحتلال الإسرائيلي في البنية العربية، ليس فقط أمنيًا واقتصاديًا، بل ثقافيًا وتربويًا، عبر أخطر مسار ممكن: مسار التعليم وصناعة الوعي.

أي تربية وأي تعليم؟

السؤال الذي تفرضه هذه الخطوة لا يتعلق بعدد الاتفاقيات أو البرامج المشتركة، بل بجوهر ما تحاول الإمارات استيراده من كيان استعماري عنصري. أي تربية يمكن أن تُؤخذ من دولة تقوم منظومتها التعليمية على نزع إنسانية العربي، وتكريس صورة الفلسطيني بوصفه “خطرًا وجوديًا” يجب التخلص منه؟

المناهج الإسرائيلية ليست محايدة ولا علمية، بل هي جزء أصيل من المشروع الصهيوني. تُدرّس للأطفال أن الأرض سُرقت باسم “وعد إلهي”، وأن القتل والحصار والاستيطان أفعال مشروعة تحت مسمى “الدفاع عن النفس”. ومن هذه المدارس والجامعات خرج جنود وضباط شاركوا في قصف المدارس والمستشفيات في غزة، وقتل آلاف الأطفال، في واحدة من أكبر الإبادات الجماعية في العصر الحديث، موثقة بالصوت والصورة وأمام أنظار العالم.

التعليم كأداة تطبيع ناعم

التطبيع التعليمي أخطر من التطبيع السياسي والدبلوماسي، لأنه يستهدف إعادة تشكيل وعي الأجيال القادمة. حين تُوقّع اتفاقيات بين جامعات إماراتية ومؤسسات أكاديمية إسرائيلية، فإن الأمر لا يقتصر على تبادل أبحاث أو برامج دراسية، بل يتعداه إلى شرعنة الرواية الإسرائيلية، وتطبيع وجود الاحتلال في الوعي العربي، وتحويل القاتل إلى “شريك معرفي”.

بهذا المعنى، يتحول التعليم إلى أداة اختراق ناعم، تُستخدم لتبييض جرائم الحرب، وإعادة تقديم إسرائيل كدولة “طبيعية” و”متقدمة”، بينما تُطمس حقيقتها ككيان استيطاني عنصري قائم على الإبادة والتهجير القسري.

الإمارات ومسار الخيانة المنهجية

هذه الزيارة تأتي ضمن مسار متكامل بدأ علنًا مع اتفاقيات أبراهام، لكنه تجاوز العلاقات الدبلوماسية إلى شراكات أمنية واستخباراتية وثقافية. الإمارات لم تكتفِ بفتح السفارات وتبادل الوفود، بل انتقلت إلى أخطر المراحل: تطبيع القيم والمناهج والوعي.

في الوقت الذي تُقصف فيه مدارس غزة، وتُدفن أجساد الأطفال تحت الأنقاض، يلتقي وزراء التعليم لبحث “التعاون التربوي”، في مفارقة تكشف حجم الانفصال الأخلاقي، وتُظهر بوضوح أن الإمارات اختارت موقعها في المعسكر الخطأ: مع الاحتلال لا مع الضحية، ومع القاتل لا مع المقتول.

رسالة خطيرة للأجيال

ما يجري ليس مجرد لقاء وزاري، بل رسالة سياسية واضحة تُوجَّه إلى الأجيال الجديدة: لا مشكلة في الشراكة مع من يقتل العرب، ولا حرج في التعلم من مجتمع يقوم على الكراهية والعنصرية، ولا مانع من تحويل الإبادة إلى تفصيل ثانوي أمام “المصالح”.

الأخطر أن هذا المسار يتم في ظل صمت عربي رسمي مخزٍ، وكأن دماء الفلسطينيين لم تعد عائقًا أمام توقيع الاتفاقيات ولا أمام تبادل الابتسامات أمام الكاميرات.

الخلاصة

لقاء وزير التربية والتعليم الإسرائيلي بنظيرته الإماراتية ليس حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل جريمة سياسية وأخلاقية بحق الوعي العربي. فالتعليم الذي يُستورد من دولة تمارس الإبادة لا يمكن أن يُنتج إلا أجيالًا مُطبّعة مع الجريمة، فاقدة للبوصلة، ومتصالحة مع الظلم.

وأمام هذا المشهد، يبقى السؤال قائمًا بلا إجابة شريفة:
أي تربية وأي تعليم تريد الإمارات أن تنقله لأبنائها؟
الإجابة باتت واضحة، ومخزية، وخطيرة على مستقبل المنطقة بأكملها.

اقرأ أيضًا : اعتداء داخل الزنازين… رسالة قمع جديدة من سجون السيسي