شهدت مدينة عدن، الجمعة، تظاهرات وُصفت إعلاميًا بـ«الحاشدة» دعمًا لـميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالية، استجابة لدعوة أطلقها رئيسه عيدروس الزبيدي، في سياق سياسي متوتر أعقب قرارات رئاسية أطاحت بالمجلس وجرّدته من شرعيته الدستورية. غير أن قراءة متأنية للمشهد تكشف فجوة واسعة بين الصورة التي رُوِّجت إعلاميًا، والواقع الفعلي لحجم التظاهرات ودلالاتها السياسية.

تضخيم إعلامي ومحاولة استعراض قوة

ورغم الحديث عن «عشرات الآلاف»، تشير معطيات ميدانية وشهادات محلية إلى أن عدد المشاركين لا يتجاوز بضعة آلاف، جرى حشدهم من محافظات جنوبية محددة عبر ترتيبات مسبقة، شملت نقلًا منظمًا وحشدًا حزبيًا، في مشهد أقرب إلى الاستعراض السياسي منه إلى انتفاضة شعبية واسعة. إلا أن الآلة الإعلامية المرتبطة بالمجلس الانتقالي عملت على تضخيم الأرقام وتقديم الحدث باعتباره تعبيرًا كاسحًا عن «إرادة الجنوب»، في محاولة واضحة لفرض أمر واقع سياسي مرفوض وطنيًا.

رمزية الشعارات وغياب الإجماع

رفع المتظاهرون أعلام دولة الجنوب السابقة، ورددوا هتافات مناهضة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، مطالبين بعودة وفد المجلس الانتقالي إلى عدن، ومنددين بما وصفوه بإجراءات «إقصائية». غير أن هذه الشعارات، بدل أن تعكس إجماعًا جنوبيًا، أظهرت عمق الانقسام داخل الجنوب نفسه، حيث ترفض قوى سياسية ومجتمعية واسعة مشروع الانفصال وتعتبر المجلس الانتقالي كيانًا مفروضًا بقوة السلاح والدعم الخارجي.

مشروع انفصالي بلا حاضنة شعبية حقيقية

اللافت في هذه التظاهرات هو إصرار منظميها على تصوير المجلس الانتقالي باعتباره «الممثل الوحيد لقضية الجنوب»، متجاهلين قوى تاريخية وحزبية وقبلية لعبت أدوارًا محورية في الجنوب اليمني لعقود. هذا الادعاء يتناقض مع الواقع، إذ يفتقر المجلس إلى تفويض شعبي شامل، ويعتمد بشكل أساسي على السيطرة الأمنية والدعم المالي والإعلامي الخارجي، لا على صناديق الاقتراع أو التوافق الوطني.

الدور الإماراتي… المحرّك الخفي

لا يمكن فهم ما جرى في عدن بمعزل عن الدور الذي تلعبه الإمارات العربية المتحدة في الجنوب اليمني منذ سنوات. فأبوظبي كانت ولا تزال الداعم الرئيسي للمجلس الانتقالي، سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، ضمن مشروع إقليمي يهدف إلى تفكيك اليمن والسيطرة على موانئه وجزره الاستراتيجية. التظاهرات الأخيرة ليست سوى حلقة جديدة في هذا المسار، حيث تُستخدم الحشود المحدودة كأداة ضغط ورسالة سياسية موجهة للداخل والخارج.

فوضى مقنّعة بشعارات «القضية الجنوبية»

يحذر مراقبون من أن استمرار هذه التحركات، المدفوعة خارجيًا، قد يقود إلى حالة من الفوضى الأمنية والسياسية في عدن وبقية المحافظات الجنوبية، خصوصًا في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي والمعيشي. فبدل الانخراط في مسار وطني جامع يعالج جذور المظالم الجنوبية ضمن إطار الدولة اليمنية، يصر المجلس الانتقالي على نهج التصعيد والانقسام، ولو على حساب استقرار الجنوب نفسه.

قراءة سياسية للمشهد

في المحصلة، تكشف تظاهرات عدن أكثر مما تُخفي. فهي تؤكد أن المجلس الانتقالي، رغم كل محاولات التلميع الإعلامي، لا يمثل سوى فئة محدودة، وأن مشروع الانفصال الذي يرفعه يفتقر إلى الإجماع والشرعية. كما تعرّي حجم التدخل الإماراتي في توجيه المشهد الجنوبي، وتحويله إلى ورقة تفاوض إقليمية لا علاقة لها بمصالح اليمنيين.

وبينما يُدفع الشارع الجنوبي إلى مواجهات سياسية مفتوحة، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في تسويق حشود محدودة باعتبارها «إرادة شعب»، في وقت تتزايد فيه القناعة بأن الحل لا يكون بالانقسام، بل ببناء دولة يمنية عادلة تتسع لجميع أبنائها، شمالًا وجنوبًا؟

اقرأ أيضًا : مقرها في الإمارات.. عقوبات أمريكية تفضح دور شركات في دبي تمول الحوثيين