شهدت العاصمة التونسية، وقفة احتجاجية جديدة نظمتها تنسيقية عائلات المعتقلين السياسيين، في تحرك يعكس تصاعد الغضب الشعبي من استمرار احتجاز عشرات المعارضين منذ أكثر من ثلاث سنوات. ورفعت العائلات خلال التظاهرة شعارات قوية من قبيل “لا حرية إلا بقرار سياسي” و”يسقط يسقط الانقلاب”، في إشارة مباشرة إلى سياسات الرئيس قيس سعيد التي يصفها المحتجون بأنها كرست واقعاً من التضييق على الحريات.
التحرك الذي دعت إليه جبهة “الخلاص” الوطني المعارضة، لم يكن مجرد وقفة رمزية، بل حمل رسائل سياسية واضحة تؤكد أن مسار القضاء لم يعد يُنظر إليه كأداة لتحقيق العدالة، بل كجزء من الأزمة نفسها، وفق تعبير المحتجين.
![]()
عائلات المعتقلين: إرادة لا تلين رغم طول المعاناة
في تصريحات إعلامية، شددت زوجة النائب السابق الصحبي عتيق على أن العائلات لن تتراجع عن نضالها السلمي، مؤكدة أن المعتقلين يواجهون أحكاماً قاسية تصل في بعض الحالات إلى أكثر من عشرين عاماً. وأشارت إلى أن هذه الأحكام، بحسب رأيها، تفتقر إلى الأدلة القانونية الكافية، ما يعزز قناعة العائلات بأن القضية ذات طابع سياسي بحت.
هذا الإصرار على مواصلة الاحتجاج يعكس تحوّلاً في خطاب العائلات، من انتظار العدالة القضائية إلى المطالبة الصريحة بقرار سياسي ينهي الأزمة. فبعد سنوات من المتابعة القضائية دون نتائج ملموسة، باتت الثقة في المؤسسات القضائية محل شك واسع لدى المعارضين.
المعارضة تتهم السلطة بتسييس القضاء وتوسيع دائرة القمع
من جهتها، أكدت المحامية هيفاء الشابي أن ما يجري في تونس يمثل “انهياراً شاملاً” على مختلف المستويات، معتبرة أن ملف المعتقلين السياسيين هو أبرز تجليات هذا الانهيار. وأضافت أن الاعتقالات تمت بقرارات سياسية، وبالتالي فإن الإفراج عن المعتقلين لن يكون إلا بقرار مماثل.
وتعزز هذه التصريحات سردية المعارضة التي ترى أن السلطة الحالية، بقيادة قيس سعيد، قامت بإعادة تشكيل المشهد السياسي والقضائي بطريقة أضعفت استقلالية المؤسسات، خاصة بعد الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها في يوليو 2021.
سياق الاعتقالات: ملفات متعددة وتهم مثيرة للجدل
منذ فبراير 2023، شهدت تونس موجة اعتقالات طالت شخصيات سياسية بارزة ورجال أعمال ونشطاء، ضمن قضايا متعددة مثل “التآمر على أمن الدولة” وملفات إعلامية واقتصادية. وتؤكد السلطات أن هذه الإجراءات تأتي في إطار مكافحة الفساد وحماية الدولة، بينما تصفها المعارضة بأنها حملة ممنهجة لإسكات الأصوات المنتقدة.
هذا التباين في الروايات يعكس حالة الاستقطاب الحاد التي تعيشها البلاد، حيث تتقاطع الاعتبارات السياسية مع المسارات القضائية، ما يجعل من الصعب الفصل بينهما في نظر العديد من المراقبين.
قراءة تحليلية: أزمة ثقة عميقة بين السلطة والمعارضة
تكشف هذه الاحتجاجات عن أزمة ثقة عميقة بين السلطة والمعارضة في تونس. فبينما يصر الرئيس قيس سعيد على أنه لا يتدخل في القضاء وأن البلاد تخوض “حرب تحرير وطني”، ترى المعارضة أن هذه الخطابات تُستخدم لتبرير التضييق على الحريات وتكريس الحكم الفردي.
كما أن استمرار الاعتقالات، بالتوازي مع غياب حلول سياسية واضحة، يعمّق من حالة الاحتقان الاجتماعي والسياسي، ويزيد من احتمالات التصعيد في الشارع. فالعائلات التي كانت تكتفي بالمناشدات، أصبحت اليوم أكثر جرأة في توجيه الاتهامات المباشرة للسلطة.
بين الحل القضائي والقرار السياسي: أي مخرج للأزمة؟
يطرح شعار “لا حرية إلا بقرار سياسي” إشكالية جوهرية حول طبيعة الحل الممكن لهذه الأزمة. فإذا كان القضاء، كما تقول العائلات، عاجزاً أو غير مستقل، فإن الحل السياسي يصبح الخيار الوحيد، لكنه في المقابل يتطلب إرادة من السلطة الحاكمة لتقديم تنازلات، وهو ما لا تظهر مؤشراته حتى الآن.
في ظل هذا الواقع، تبدو الأزمة مرشحة للاستمرار، خاصة مع تمسك كل طرف بموقفه. فالمعارضة ترفض الاعتراف بشرعية المسار الحالي، بينما ترى السلطة أنها تخوض معركة مصيرية ضد الفساد والتآمر.
خاتمة: تونس بين مفترق طرق سياسي حاسم
تعكس تظاهرة عائلات المعتقلين السياسيين في تونس لحظة فارقة في المشهد السياسي، حيث لم تعد القضية مجرد ملفات قضائية، بل تحولت إلى رمز لصراع أوسع حول طبيعة الحكم ومستقبل الديمقراطية في البلاد. وبين اتهامات القمع التي تلاحق حكم قيس سعيد وتمسكه بخطابه السيادي، تبقى تونس أمام مفترق طرق حاسم، يتطلب حواراً سياسياً جاداً لتجنب مزيد من الانقسام والتوتر.
اقرأ أيضًا : “لبنان جبهة قتالنا الأساسية”.. جيش الاحتلال يقر بالهزيمة الاستراتيجية في الشمال: الجنرالات يعترفون بصمود حزب الله