شهدت منصات التواصل الاجتماعي ومجتمعات الصحفيين حول العالم، اليوم الاثنين، تفاعلاً واسعًا مع مجزرة مجمع ناصر الطبي في خانيونس، وما رافقها من جريمة مروّعة تمثلت في استهداف الطواقم الصحفية والإعلامية التي كانت توثّق المشهد. 

هذه الجريمة المركّبة أثارت موجة من الغضب والاستنكار، وأعادت تسليط الضوء على سياسة الاحتلال الممنهجة في استهداف الصحفيين، باعتبارهم شهودًا على الجرائم، وعلى المستشفيات باعتبارها الملاذ الأخير للمدنيين.

استهداف مركّب للمدنيين والإعلاميين

بحسب بيان صادر عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن القصف الذي طال مجمع ناصر الطبي أسفر عن استشهاد 20 شخصًا وإصابة العشرات، بينهم خمسة صحفيين كانوا يقومون بتغطية الأحداث من داخل المستشفى. وبذلك ارتفع عدد الشهداء من الصحفيين منذ بداية العدوان إلى 245 صحفيًا وإعلاميًا.

وصف المكتب الإعلامي هذه الجريمة بأنها امتداد لنهج الاحتلال في “إعدام الشهود”، معتبرًا أن الصحفي الفلسطيني بات في صدارة بنك أهداف القصف الإسرائيلي، لما يمثله من خطر على الرواية الرسمية للاحتلال.

وفي السياق ذاته، أوضح مدير عام وزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، أن ما جرى هو “جريمة مركّبة” استهدفت الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف والدفاع المدني إلى جانب الإعلاميين. وقال إن ما حدث موثّق بالصوت والصورة، ويمثل إمعانًا في خرق الأعراف والمواثيق الدولية، بما فيها اتفاقيات جنيف التي تحظر استهداف المرافق الصحية والإعلامية في مناطق النزاع.

ردود فعل صحفية وإعلامية دولية

لم يقتصر التفاعل على المستوى المحلي، بل امتد ليشمل الصحفيين والهيئات الإعلامية حول العالم. فقد دعا الاتحاد الدولي للصحفيين ونقابات عربية ودولية إلى تحقيق عاجل في الجريمة، وإلى ممارسة ضغط سياسي وقانوني على الاحتلال لوقف استهداف الصحفيين.

في بيانات ومواقف متفرقة، حمّل ناشطون وصحفيون مسؤولية ما يحدث ليس فقط لإسرائيل، بل أيضًا للإدارة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، باعتبارها داعمة للحرب على غزة ومشاركة في “التواطؤ الدولي” على استمرارها.

أما على شبكات التواصل الاجتماعي، فقد تداول المستخدمون مقاطع فيديو تظهر لحظة الاستهداف، مؤكدين أن الاحتلال يتعمد قتل الصحفيين للتعتيم على جرائمه. وانتشرت صور ورسائل الوداع لعدد من الصحفيين الشهداء، بينهم مريم أبو دقة، التي كتبت وصية مؤثرة لابنها غيث، ليصبح اسمها رمزًا جديدًا لتضحيات الصحفيين في غزة.

استهداف متعمد للملاذ الأخير

أحد أبرز التعليقات التي تكررت في منشورات النشطاء والمغردين هو أن استهداف مجمع ناصر يمثل ضربة لـ”الملاذ الأخير” للمدنيين، بحيث يُراد للناس أن يشعروا بعدم وجود أي جهة قادرة على إنقاذهم أو توثيق ما يتعرضون له.

يرى مراقبون أن هذه السياسة تسعى لدفع الفلسطينيين نحو الاستسلام تحت وطأة الخوف واليأس، وربما تمهيدًا لمخططات تهجير قسري جديدة. إذ أن ضرب المستشفى، الذي كان يضم مئات الجرحى والنازحين، يعني عمليًا إلغاء أي نقطة أمان في خانيونس، وتحويل القطاع كله إلى مساحة مفتوحة أمام الموت.

البعد القانوني والإنساني

من الناحية القانونية، تندرج هذه الجريمة في إطار جرائم الحرب وفق القانون الدولي الإنساني. فالاستهداف المباشر للصحفيين والمؤسسات الصحية محظور تمامًا، ويُعد انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف. وقد شدد خبراء قانونيون على أن توثيق هذه الانتهاكات بالصوت والصورة، ووجود أدلة دامغة على استهداف طواقم إعلامية مميزة بشعارات واضحة، سيجعل من السهل ملاحقة قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية.

لكن العقبة الكبرى، بحسب محللين، تكمن في الإرادة السياسية للمجتمع الدولي، الذي لم يظهر حتى الآن استعدادًا حقيقيًا لمحاسبة إسرائيل على جرائمها رغم تكرار الأدلة.

الإعلام المقاوم ورواية غزة

منذ بداية العدوان، برز دور الصحفيين المحليين في غزة بوصفهم خط الدفاع الأخير عن الحقيقة. إذ أن منع دخول وسائل الإعلام الدولية، وقطع الاتصالات والكهرباء، جعل من الكاميرا الفلسطينية أداة المقاومة الأولى. لذلك فإن استهداف الصحفيين ليس فقط استهدافًا لأشخاص، بل هو حرب على الرواية، ومحاولة لطمس جرائم الإبادة الجماعية التي تُمارس في القطاع.

ورغم الخسائر الفادحة، فإن الصحفيين الغزيين واصلوا عملهم، مقدمين نماذج استثنائية في الشجاعة المهنية، حيث تحوّلت وصاياهم الأخيرة ورسائلهم المؤثرة إلى شهادات حية على حجم الفاجعة.

خاتمة: الجريمة المستمرة والتواطؤ الصامت

أعادت جريمة مجزرة ناصر واستهداف الصحفيين في خانيونس التأكيد على أن الاحتلال الإسرائيلي يمضي في حربه الشاملة على كل مقومات الحياة في غزة: البشر، الحجر، المشافي، وحتى الحقيقة ذاتها. ورغم التنديد الواسع، يبقى الموقف الدولي عاجزًا أو متواطئًا، وهو ما يزيد من جرأة الاحتلال على التمادي في جرائمه.

في المقابل، فإن التفاعل الشعبي والصحفي عبر العالم يفتح نافذة أمل في أن تتحول هذه الجرائم الموثقة إلى وقود لحراك دولي أوسع، يفرض العدالة ويحمي ما تبقى من إنسانية مهددة بالإبادة.

اقرأ أيضًا : االسيسي يشارك في حصار غزة.. رغم أن الأونروا تؤكد: لدينا مساعدات تكفي لوقف المجاعة