ما الذي كشفه التقرير؟

أصدرت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، المنشأة بقرار من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في أكتوبر 2023، تقريرًا بعنوان: “سمات الإبادة الجماعية في الفاشر”، خلص إلى أن ما جرى في مدينة الفاشر ومحيطها يحمل خصائص واضحة لجريمة إبادة جماعية تستهدف مجتمعات غير عربية، وعلى رأسها الزغاوة والفور.

التقرير لا يكتفي بوصف ما حدث كجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، بل يشير إلى توافر ثلاثة أركان أساسية لجريمة الإبادة الجماعية وفق القانون الدولي:

  • قتل أفراد من جماعة عرقية محمية.

  • إحداث ضرر جسدي ونفسي جسيم.

  • فرض ظروف معيشية تهدف إلى التدمير الكلي أو الجزئي للجماعة.

ووفق ما جاء في التقرير، فإن الاستنتاج المعقول الوحيد من النمط المنهجي للقتل والعنف الجنسي والتجويع والحصار هو وجود نية تدميرية واضحة.

الفاشر: من الحصار إلى “أيام الرعب”

بحسب التحقيق الأممي، لم تكن أحداث الفاشر انفجارًا عشوائيًا للعنف، بل سبقتها مرحلة حصار استمر 18 شهرًا، أُضعف خلالها السكان المستهدفون عبر:

  • التجويع المتعمد.

  • الحرمان من الخدمات.

  • الصدمات النفسية والاحتجاز.

  • منع سبل الهروب.

وعند سقوط المدينة، تحدث التقرير عن ثلاثة أيام من الرعب المطلق، قُتل خلالها آلاف المدنيين، خاصة من الزغاوة، واختفى آخرون، وتعرضت نساء وفتيات لعمليات اغتصاب جماعي ومنهجي.

الأخطر أن التقرير أشار إلى تصريحات علنية من مقاتلين تُظهر نية صريحة للاستهداف العرقي، وهو عنصر محوري لإثبات جريمة الإبادة.

لماذا توصيف “الإبادة الجماعية” خطير قانونيًا؟

وصف ما يحدث بأنه “إبادة جماعية” ليس توصيفًا إعلاميًا أو سياسيًا، بل تكييف قانوني دقيق وفق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.

وهذا التوصيف يترتب عليه:

  1. التزام دولي بالمنع: أي أن المجتمع الدولي لا يملك رفاهية الحياد.

  2. التزام بالحماية: خاصة للمدنيين المعرضين للخطر.

  3. واجب المساءلة: ملاحقة المسؤولين أمام القضاء الدولي أو الوطني.

لذلك شدد رئيس البعثة، محمد شاندي عثمان، على أن الجرائم لم تكن “تجاوزات حرب”، بل جزءًا من عملية منظمة ومخطط لها.

البعد الأخطر: خطر التكرار

التقرير حذّر بوضوح من أن خطر الإبادة الجماعية لا يزال قائمًا وخطيرًا، خصوصًا مع امتداد القتال إلى كردفان، وفي ظل غياب:

  • آليات حماية فعالة للمدنيين.

  • إجراءات ردع دولية.

  • مسارات محاسبة جادة.

وهذا يعيد إلى الأذهان نمط الجرائم التي شهدها إقليم دارفور في العقدين الماضيين، ما يطرح سؤالًا مؤلمًا:

هل يتكرر المشهد نفسه في ظل عجز دولي مزمن؟

السياق الأوسع: حرب منهكة وانهيار دولة

يأتي هذا التقرير في سياق حرب مستمرة منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية و قوات الدعم السريع، خلّفت:

  • مئات الآلاف من الضحايا بين قتيل وجريح.

  • ملايين النازحين داخليًا وخارجيًا.

  • انهيارًا شبه كامل للبنية الصحية والاقتصادية.

لكن ما يجعل الفاشر نقطة مفصلية هو انتقال الصراع من حرب على السلطة إلى صراع يحمل طابعًا عرقيًا تدميريًا، وهو تحول بالغ الخطورة على مستقبل السودان كوطن موحد.

ما الذي يعنيه ذلك للسودان؟

إذا ثبتت الاتهامات قضائيًا، فإن السودان يواجه:

  • خطر تفكك مجتمعي عميق.

  • تعميق الانقسامات العرقية.

  • تدويل أكبر للصراع.

  • إمكانية فرض عقوبات أشد أو إحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية.

كما أن أي تسوية سياسية مستقبلية ستكون معقدة للغاية إذا لم تُدرج فيها آلية عدالة انتقالية حقيقية.

الخلاصة التحليلية

تقرير بعثة تقصي الحقائق لا يصف مجرد فصل دموي في حرب أهلية، بل يشير إلى نمط منظم يحمل سمات الإبادة الجماعية.

التحذير الأممي واضح:

إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة للحماية والمحاسبة، فإن خطر تكرار الجرائم في مناطق أخرى من السودان قائم وبقوة.

السؤال الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم ليس فقط: ماذا حدث في الفاشر؟

بل: ماذا سيفعل لمنع حدوثه مرة أخرى؟