وضع تقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان الإمارات مجدداً تحت ضغط متزايد، بعدما وثّق وجود شبكات دعم عابرة للحدود أسهمت في تعزيز القدرات العسكرية لميليشيا الدعم السريع واستمرار عملياتها في دارفور وكردفان ومناطق أخرى من البلاد، في حرب دخلت عامها الرابع وخلفت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.

ويعرض التقرير، الذي قُدم إلى مجلس حقوق الإنسان، أدلة بشأن نقل أسلحة ومعدات عسكرية وطائرات مسيّرة ومقاتلين أجانب ودعم لوجستي عبر مسارات إقليمية متعددة، كما يربط أفراداً وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها بأجزاء من شبكة الإمداد التي استفادت منها ميليشيا الدعم السريع.

وأمام هذه النتائج، أصدرت البعثة الدائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة في جنيف، في 3 سبتمبر/أيلول، بياناً جددت فيه نفي أبوظبي تقديم أسلحة أو أي دعم عسكري إلى أي طرف في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، واتهمت في الوقت نفسه الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.

وقالت الإمارات إنها تعاونت مع بعثة تقصي الحقائق، وشددت على ضرورة تقييم الادعاءات «بمنهجية موضوعية ومحايدة وقائمة على الأدلة»، كما جددت مطالبتها بوقف إطلاق النار وتوسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان.

لكن البيان لم يبدد جوهر الأسئلة التي يطرحها التقرير الأممي بشأن الأنشطة التي نُفذت عبر أفراد وكيانات تعمل من داخل الإمارات أو مرتبطة بها، ولا بشأن المسارات التي تقول البعثة إنها أسهمت في نقل السلاح والمتعاقدين العسكريين إلى مناطق سيطرة ميليشيا الدعم السريع.

فالتقرير لا يكتفي بسرد اتهامات سياسية، بل يستند إلى إفادات شهود ومصادر مباشرة وصور ومقاطع موثقة وتحليلات فنية، ويخلص إلى وجود «أسباب معقولة للاعتقاد» بأن ميليشيا الدعم السريع استفادت من شبكة خارجية وفرت لها السلاح والعتاد والتدريب والمقاتلين والدعم اللوجستي.

ومن أبرز ما وثقه التحقيق وجود متعاقدين عسكريين كولومبيين عملوا إلى جانب ميليشيا الدعم السريع، إلى جانب معلومات عن مرور بعضهم بالإمارات وتلقيهم تدريبات قبل انتقالهم إلى ساحات القتال، فضلاً عن رصد معدات تتوافق خصائصها مع أسلحة سبق تصديرها إلى الإمارات.

وبينما تتمسك أبوظبي بنفي أي مسؤولية حكومية مباشرة عن تسليح ميليشيا الدعم السريع، فإن البعثة الأممية طالبتها باتخاذ إجراءات أكثر قوة للتحقيق في الشركات والوسطاء والأفراد العاملين من أراضيها أو الخاضعين لاختصاصها، ومنع أي أنشطة يمكن أن تسهم في انتهاكات القانون الدولي داخل السودان.

وتعيد هذه النتائج إلى الواجهة سؤال المسؤولية عن إطالة أمد الحرب، إذ إن الدعم الخارجي لا يظهر فقط في نوعية الأسلحة أو عدد المقاتلين، بل في قدرة ميليشيا الدعم السريع على تعويض خسائرها ومواصلة عملياتها العسكرية رغم مرور سنوات على اندلاع الصراع.

ومن هنا، فإن محاولة اختزال القضية في بيانات نفي أو في الحديث عن المساعدات الإنسانية لا تلغي الأثر الذي توثقه التحقيقات الأممية لشبكات الإسناد العسكري واللوجستي التي استفادت منها ميليشيا الدعم السريع.

لقد حان الوقت لأن يتعامل المجتمع الدولي مع ما تكشفه التقارير الأممية باعتباره ملفاً للمساءلة، لا مجرد مادة للخلاف السياسي بين أبوظبي والخرطوم. فالسودان لا يواجه أزمة داخلية معزولة، بل حرباً غذتها شبكات خارجية وساهم استمرار تدفق السلاح والمقاتلين والدعم الفني في إطالة عمرها وتوسيع دائرة ضحاياها.

وفي قلب هذه الكارثة يقف ملايين المدنيين السودانيين الذين دفعوا الثمن نزوحاً وقتلاً وجوعاً وانهياراً للخدمات، بينما يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: من سيحاسب الجهات التي ساعدت، بصورة مباشرة أو عبر وسطاء وكيانات، على إبقاء آلة الحرب تعمل كل هذا الوقت؟