نشرت صحيفة إسرائيل اليوم تقريرًا جديدًا بعنوان «تأثير ترامب: دبلوماسي أميركي يكشف جدول التطبيع السعودي الإسرائيلي»، تحدّثت فيه عن جهود متسارعة لإتمام تقارب غير مسبوق بين الرياض وتل أبيب خلال عام واحد فقط، رغم الحرب على غزة والرفض الشعبي العربي والإسلامي.

التقرير الذي يستند إلى تصريحات مسؤولين إسرائيليين وأميركيين كبار، يكشف أن محادثات التطبيع لم تتوقف أصلًا، وأن الاتصالات بين محمد بن سلمان وبنيامين نتنياهو جرت بشكل مباشر خلال عام 2023، في وقت تعمل فيه إدارة ترامب على إعادة إحياء ما تسميه “اتفاقات أبراهام” كأداة مركزية في هندسة الشرق الأوسط بما يخدم إسرائيل.

يقدّم التقرير صورة واضحة عن الدور الأميركي في إعادة تفعيل مسار التطبيع عبر الاقتصاد والأمن والمشاريع الضخمة التي يربطها محمد بن سلمان برؤيته الاقتصادية 2030، إذ يربط “الانفتاح” السعودي على إسرائيل بالوصول إلى التكنولوجيا والأمن السيبراني والذكاء الصناعي الإسرائيلي، وبتنفيذ مشاريع البنية التحتية العابرة من آسيا إلى أوروبا عبر الموانئ الإسرائيلية. هذا الطرح لا يخفي حقيقته: تطبيع اقتصادي وسياسي كامل يجري تغليفه بخطاب التنمية والتحديث، في حين يهدف إلى دمج إسرائيل في قلب المنطقة وتطويع الرأي العام لقبولها كواقع.

التقرير يربط أيضًا بين هذه التحركات وبين الدعم الأميركي الأمني الذي تسعى الرياض للحصول عليه من واشنطن، والذي يشمل عمليًا بناء تحالف دفاعي غير معلن مع إسرائيل لمواجهة إيران وحلفائها. ووفق المصدر الأميركي الذي نقلت عنه الصحيفة، فإن “ما كان يجب أن يحدث منذ زمن سيحدث قريبًا”، في إشارة إلى أنّ تطبيع العلاقات لم يعد مسألة خلاف سياسي بل قرار استراتيجي حُسم بين الأطراف.

ويؤكد التقرير أن السعودية ساعدت إسرائيل خلال الحرب مع إيران في يونيو الماضي، وأن طائراتها المروحية اعترضت طائرات مسيّرة إيرانية كانت متجهة نحو إسرائيل. وهو تفصيل يقدّمه الإعلام العبري بوصفه “شراكة أمنية فعلية”، بينما يكشف في جوهره مدى تورط النظام السعودي في دعم إسرائيل عسكريًا ضد خصومها الإقليميين، رغم ادعائه الحياد.

من جهة أخرى، يربط التقرير بين تطبيع السعودية المخطط له وبين أهداف هجوم 7 أكتوبر، إذ يقول إن من بين أهداف حماس وإيران من الحرب كان “إفشال انضمام السعودية إلى اتفاقات أبراهام”، ما يعني أن الاحتلال يحاول استغلال المأساة لتصوير مقاومة الشعب الفلسطيني على أنها عائق أمام السلام، بينما الحقيقة أن ما يسمى “السلام” هو تطبيع قسري يشرعن الاحتلال ويغطي جرائمه.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية وعودة ترامب إلى البيت الأبيض، تشير الصحيفة إلى أن إعادة السعودية إلى مسار التطبيع أصبحت مسألة وقت فقط. ترامب، الذي يصف نفسه بـ“مهندس اتفاقات أبراهام”، يسعى لإدخال السعودية ضمن المشروع لضمان فتح الطريق أمام مزيد من الأنظمة العربية والإسلامية.

ويذكر التقرير أن خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة عام 2023 حول “الشرق الأوسط الجديد” بُثّ لأول مرة على التلفزيون السعودي الرسمي، في مؤشر على عمق التنسيق الجاري رغم الحرب. ورغم أن العدوان على غزة عطّل الإعلان الرسمي، فإن الاتصالات مستمرة على مستويات متعددة.

أما الإمارات، فالتقرير يقدّمها كنموذج “الصديق العربي الحقيقي لإسرائيل”، مؤكدًا أنها الدولة الوحيدة التي واصلت تسيير رحلاتها إلى تل أبيب أثناء الحرب، وأنها تعمل على بناء مدارس ومستشفيات ومشاريع في المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال، بما في ذلك إنشاء خط مياه من الجانب المصري إلى جنوب غزة — وهو ما يُسوَّق كعمل إنساني بينما يجري تحت إشراف الاحتلال نفسه.

ويرى التقرير أن الرياض وأبو ظبي تتعاملان مع القضية الفلسطينية من منظور “إعادة تأهيل”، لا “تحرير وإنهاء احتلال”، وأنهما تعملان على “إعادة برمجة” التعليم والخطاب الإعلامي في غزة باتجاه “نزع التطرف” وفق المفهوم الإسرائيلي، عبر برامج تعليمية وثقافية يتم تطبيقها بالفعل في المدارس المؤقتة داخل المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي.

بهذا، يكشف تقرير إسرائيل اليوم بوضوح أن التطبيع السعودي والإماراتي مع الاحتلال ليس تكهنات، بل مسارًا جار تنفيذه بخطوات مدروسة، يتقدّم تحت رعاية واشنطن وبتغطية إعلامية ناعمة تروّج له كـ“شراكة من أجل التنمية”. غير أن جوهره الحقيقي هو تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة أمام إسرائيل، وتشويه الوعي العربي والإسلامي لتقبّل الاحتلال كحليف لا كعدو.