نشرت صحيفة إسرائيل اليوم تقريرًا جديدًا يكشف الوجه الخفي للتطبيع عبر بوابة الدين، مسلّطة الضوء على الحاخام الأميركي مارك شناير، الذي تحوّل إلى رسول للتقارب بين الأنظمة العربية وإسرائيل تحت ستار “الحوار بين الأديان”. التقرير نفسه، وإن كان يحتفي به، يكشف عمليًا كيف تُستخدم الرموز الدينية لتشويه صورة الإسلام وتبرير التحالف مع الاحتلال.

الحاخام الذي يلقب نفسه بـ“حاخام الملوك” يفتخر بعلاقاته مع ملوك وأمراء من السعودية والبحرين والإمارات، ويعتبر نفسه “رجل إسرائيل في العالم الإسلامي”. في مقابلة مع الصحيفة، قدّم شناير التطبيع على أنه مهمة روحية ورسالة سلام، بينما هو في الحقيقة مشروع تلميع لأنظمة قمعية تبحث عن شرعية دينية لتغطية تحالفاتها مع الاحتلال.

يتحدث شناير عن دعمٍ تلقّاه من ملك السعودية الراحل عبدالله، ثم من قادة البحرين والإمارات وأذربيجان، قائلاً إنه هو من “زرع بذور اتفاقيات أبراهام”، في اعتراف صريح بأن التقارب لم يكن وليد اللحظة، بل ثمرة عمل منظم طويل الأمد يُقدَّم بلباسٍ ديني ناعم ليُسوّق لتطبيعٍ سياسي قاسٍ. الأخطر أنه يعلن بوضوح أن معاداة الصهيونية تعني معاداة السامية، في خلط متعمد بين الدين والسياسة، يراد به إسكات أي صوت يرفض الاحتلال وتجريم أي موقف إسلامي أو عربي مبدئي من القضية الفلسطينية.

في الإمارات، يلعب الخطاب الديني دورًا محوريًا في مشروع التطبيع الشامل مع إسرائيل، وهو ما تجسّد في علاقات مارك شناير الوثيقة مع حكام أبوظبي ودبي منذ سنوات قبل توقيع اتفاقيات أبراهام. فالنظام الإماراتي قدّم شناير للعالم الإسلامي على أنه “جسر للحوار بين الأديان”، بينما في الواقع كان يروّج لخطابٍ يهدف إلى تحييد الموقف الإسلامي من القضية الفلسطينية وتحويل الممانعة إلى “تفاهم حضاري”. هذا الاستخدام المتعمّد للرموز الدينية مكّن الإمارات من تمرير مشروعها التطبيعي بواجهة ناعمة، تجمع بين الخطاب الوعظي عن التسامح وبين تعاونٍ أمني واقتصادي وثيق مع الاحتلال. تحت لافتة “التعايش”، فُتحت المعابد، واستُقبل الحاخامات، وتحوّل الدين إلى واجهة تسويقية لسياسةٍ لا تمتّ للأخلاق أو السلام الحقيقي بصلة.

أما في السعودية، فدور شناير كان أكثر خطورة، إذ يزعم في حديثه للصحيفة أن الملك الراحل عبدالله كان أول من فتح له أبواب البلاط، وأن ولي العهد محمد بن سلمان هو من قال له صراحة إن “التطبيع مع إسرائيل ليس لأجل إيران بل لتحقيق رؤية 2030”. هذا الاعتراف يكشف عن جوهر المرحلة الحالية: تطبيع يختبئ خلف خطاب “الإصلاح الاقتصادي”، ويستخدم الدين كأداة لترويض الوعي الشعبي وتجميل العلاقة مع إسرائيل. النظام السعودي الذي يسعى لتقديم نفسه كقائد “التغيير والانفتاح” يستثمر بدوره في رموزٍ دينية يهودية وأخرى محلية لخلق بيئة تقبل بفكرة التقارب مع المحتل باعتبارها “ضرورة للتنمية”. لكن الحقيقة أن كل هذه المشاريع الاقتصادية ليست سوى غطاءٍ سياسيٍّ لتصفية القضية الفلسطينية وإعادة تشكيل هوية المنطقة وفق منطق المال والمصالح، لا وفق قيم العدالة والإيمان التي يدّعي النظام تمثيلها.

ويمضي شناير في حديثه إلى حدّ التفاخر بعلاقاته مع الرئيس الأذري علييف الذي “لن يتردد في خدمة إسرائيل”، ويقول إنه شجع زعماء عربًا على اتباع نموذج أذربيجان في التطبيع، مؤكداً أن موجة جديدة ستضم السعودية وإندونيسيا وباكستان وسوريا ولبنان. هو لا يتحدث عن احتمالات، بل عن مشروع قيد التنفيذ، يُبنى على تبادل المصالح والمنافع بين أنظمة متسلطة ودولة احتلال، تحت غطاء من الشعارات الروحية الزائفة.

التقرير الإسرائيلي يبرز كذلك كيف تحوّل الدين إلى سلعة سياسية بيد من يسعون لغسل أيديهم من الجرائم بحق الفلسطينيين. فهؤلاء لا يمثلون الإسلام ولا القيم الإنسانية، بل يمثلون شبكة تروّج لخطابٍ يطمس الحق بالعدالة ويستبدله بمفاهيم “السلام مقابل الازدهار”، تمامًا كما أراد جاريد كوشنر في مؤتمرات البحرين. ومن خلف هذا الخطاب، تظهر ملامح أنظمة تبحث عن رضا الغرب وحماية مصالحها حتى ولو على حساب دماء الأبرياء في غزة والضفة.

إن خطورة ما كشفه التقرير لا تكمن في شخصية شناير نفسها، بل في البيئة التي تسمح له بالتحرك باسم الدين لتجميل جريمة التطبيع. فحين يُستخدم الإسلام لتبرير الخيانة، ويُقدَّم الحوار مع المحتل كقيمة روحية، يصبح الخطر مضاعفًا: تشويه الدين أولاً، ثم خيانة القضايا العادلة باسم الأخلاق والسلام. هذه هي المعركة الحقيقية، معركة الوعي الذي يحاولون اغتياله بالتوازي مع اغتيال الحق.