تكشف الوثائق الاستخباراتية والأرقام الدقيقة خفايا واحدة من أوسع واشجع عمليات الهندسة الفكرية والإعلامية التي تقودها دولة الإمارات بـ المنطقة؛ عبر سعيها الدؤوب لـ “إعادة تشكيل الفكر الإسلامي” وتفريغ النص الديني من مقاصده وقوامه، تنفيذاً لـ الاستراتيجيات والتوصيات التي خطتها المؤسسات البحثية التابعة لـ البنتاغون الأمريكي لـ صناعة وتصدير تيار “المحدثين الجدد”.

وتعود جذور هذا المخطط الفكري لـ التقرير الصادر عن مؤسسة «راند» الأمريكية عام 2003 برقم (MR-1716) المعنون بـ “الإسلام الديمقراطي المدني: الشكوك والموارد والاستراتيجيات_”_ بـ قلم الباحثة شيريل بينارد؛ إذ وضعت الوثيقة بـ الصفحة 2 ومراجع الصفحة 67 الفكر الشحروري—نسبة لـ المهندس السوري محمد شحرور—كـ أنموذج مرجعي لـ التيار الحداثي المراد دعمه تمويلياً وإعلامياً، مع إخفاء الدعم الأمريكي المباشر تجنباً لـ افتضاح شخوصه أمام الشعوب المسلمة.

التمويل السياسي والإعلامي لـ الطروحات الشحرورية

وسارعت الأجهزة والمال السياسي بـ أبوظبي لـ ترجمة توصيات «راند» بالحرف؛ حيث جرى احتضان محمد شحرور وفتحت له الفضائيات بـ «أبوظبي» و«روتانـا»، ومُوّلت «مؤمنون بلا حدود» عام 2013 لنشر طروحات تشكك بـ السُنة النبوية والموروث الفقهي، وتوجت تلك المساعي بـ منحه “جائزة الشيخ زايد للكتاب” عام 2017 بقيمة 750 ألف درهم، حتى وفاته بالمدينة عام 2019.

ومع انحسار وانكشاف الطروحات السابقة لغوياً وفقهياً، انتقلت المؤسسات الإماراتية لـ مرحلة التحديث وإطلاق منصة «مجتمع» بـ ميزانيات ضخمة، بـ قيادة أكاديمية من «جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية»، وتضم بـ مجالسها وضيوفها شخصيات تدعو لـ تفتيت الثوابت واختزال الإسلام، بـ مقدمتهم يوسف أبو عواد وسامر إسلامبولي وباسم الجمل، ممن يروجون لـ الاستغناء عن الأنبياء والشرائع والقبول بـ العقد الاجتماعي البديل.

خدمة الأجندة الإسرائيلية

وتؤكد التحليلات أن اندفاع أبوظبي لـ الترويج لـ هذا “الإسلام المدني المفرّغ” لا ينفصل عن مشاريع التطبيع والاندماج مع الكيان الصهيوني؛ حيث تستهدف عملية تجريف السُنة والنصوص الدينية تفكيك ركائز الرفض الفكري والقومي بـ الشارع العربي، وتحويل المجتمع لـ أداة مستسلمة لا تملك مقومات الردع أو الاعتراض بـ مواجهة الهيمنة الأجنبية.

ويرى المراقبون أن محاولات إعادة تشكيل الفكر الإسلامي وصناعة “الشحارير الجدد” عبر المنصات الممولة إماراتياً، تظل مكشوفة الأهداف بـ ظل وعي الشعوب ويقظة النخب الفكرية التي تصدت لـ كشف الربط المباشر بين التوصيات الاستخباراتية الغربية والتمويل الخليجي المشبوه.