تواصل السلطات المصرية بقيادة قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي استخدام القوانين القمعية لتكميم الأفواه وإسكات المعارضين، حيث أضحت التهم الفضفاضة مثل “الانضمام إلى جماعة إرهابية” و”نشر أخبار كاذبة” وسيلة ممنهجة لتصفية الحسابات السياسية مع الصحفيين والنشطاء. 

وأكدت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا أن النظام المصري لم يتوقف عن ممارسة الاحتجاز التعسفي وانتهاك الحقوق الأساسية للمعتقلين، في تحدٍ صارخٍ للمواثيق الدولية التي تضمن حرية التعبير والمحاكمة العادلة.

في هذا السياق، أصدرت محكمة جنايات القاهرة مؤخرًا قرارًا بتجديد حبس رسام الكاريكاتير أشرف عمر والصحفيين ياسر أبو العلا ورمضان جويدة لمدة 45 يومًا، في خطوة تعكس استمرار السلطات في استخدام القضاء كأداة للتنكيل بمعارضيها. 

وتعرض عمر للاعتقال بسبب رسوماته التي تناولت القضايا السياسية والاجتماعية في مصر، بينما وجهت إليه النيابة تهما تقليدية مثل الانضمام إلى جماعة إرهابية وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

وأكدت هيئة الدفاع عن عمر تعرضه للضرب والتعذيب خلال فترة احتجازه، حيث اختفى قسريًا في مقر أمني تابع لجهاز الأمن الوطني لعدة أيام، قبل أن يُعرض أمام النيابة دون محاميه، في انتهاك واضح لحقوقه القانونية.

كما تعرض الصحفيان ياسر أبو العلا ورمضان جويدة لانتهاكات مشابهة، حيث اعتقل الأول من منزله في مارس 2024، واحتُجز في مقر أمني غير معلوم لأكثر من 50 يومًا، تعرض خلالها لتعذيب نفسي وجسدي، وفقًا لشهادات مقربين منه.

ورغم المطالبات الحقوقية بالكشف الطبي لإثبات آثار التعذيب، رفضت النيابة العامة التحقيق في هذه الادعاءات، ما يعكس انعدام استقلالية السلطة القضائية في مصر وتحولها إلى أداة سياسية تخدم النظام. 

كما فوجئ الصحفي أبو العلا بصدور حكم غيابي بالسجن المؤبد بحقه، رغم أنه كان معتقلًا ولم يمثل أمام المحكمة، ما يؤكد الطابع الانتقامي لهذه الأحكام.

عهد السيسي: بناء السجون بدلًا من بناء المستقبل

لم يكتفِ النظام المصري بتصفية معارضيه عبر الاعتقالات العشوائية، بل توسع بشكل غير مسبوق في بناء السجون لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المعتقلين السياسيين.

فمنذ انقلاب عبد الفتاح السيسي عام 2013، أُنشئ أكثر من 49 سجنًا جديدًا، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية حادة وارتفاع غير مسبوق في نسب الفقر والبطالة. 

ويُعد هذا التوسع دليلاً قاطعًا على أن النظام لا ينوي التراجع عن نهجه القمعي، بل يعمل على ترسيخه من خلال توسيع البنية التحتية للاعتقالات الجماعية.

ومن أبرز السجون التي تم إنشاؤها في عهد السيسي: مجمع سجون بدر، الذي وصفه حقوقيون بأنه “مقبرة للأحياء”، نظرًا لانتهاكاته الجسيمة بحق المعتقلين، حيث تُستخدم الزنازين كأماكن لعزل المعارضين سياسيًا، بينما يُحرم السجناء من الزيارات والرعاية الطبية الأساسية، ما أدى إلى وفاة العشرات نتيجة الإهمال الطبي المتعمد.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن تكلفة بناء هذه السجون بلغت مليارات الجنيهات، في وقت تشهد فيه مصر أزمة ديون خانقة وتراجعًا حادًا في الخدمات الصحية والتعليمية، ما يعكس الأولوية المطلقة التي يمنحها النظام للقمع على حساب التنمية.

وحشية الشرطة وانتهاك حقوق المعتقلين

إلى جانب القضاء المسيس والسجون المكدسة بالمعتقلين، تمارس أجهزة الأمن المصرية انتهاكات ممنهجة بحق المعتقلين، تبدأ بالاختفاء القسري، مرورًا بالتعذيب الجسدي والنفسي، وصولًا إلى التصفية الجسدية داخل أماكن الاحتجاز. 

وتؤكد تقارير حقوقية أن الشرطة المصرية تعتمد بشكل ممنهج على التعذيب كوسيلة انتزاع اعترافات، وهو ما وثقته منظمة العفو الدولية في العديد من التقارير التي أكدت أن التعذيب في مصر أصبح جزءًا من السياسة الأمنية اليومية.

وتعتمد السلطات على سياسة الاعتقالات العشوائية ضد المعارضين السياسيين، حيث يتم الزج بأشخاص دون أدلة أو مذكرات اعتقال، بينما يتعرض ذوو المعتقلين للتهديد حال إبلاغهم المنظمات الحقوقية الدولية.

كما يتم استخدام القتل خارج نطاق القانون لتصفية المعارضين جسديًا، حيث شهدت السنوات الماضية تصاعدًا ملحوظًا في حوادث الإعدام الميداني التي تستهدف شباب المعارضة تحت ذرائع واهية.

في ظل هذه الظروف، دعت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط حقيقية على النظام المصري، ليس فقط للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، بل لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات الجسيمة.

وأكدت أن استمرار احتجاز الصحفيين والفنانين مثل أشرف عمر وزملائه، يعكس تدهورًا خطيرًا في أوضاع الحريات الصحفية في مصر، ويفرض على المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وقانونية لوقف هذه الانتهاكات.

خاتمة: مصر في قبضة القمع المستمر

بات من الواضح أن النظام المصري تحت قيادة السيسي لم يعد يواجه المعارضة بالوسائل السياسية، بل بالقمع الممنهج والوحشية الأمنية.

ورغم الانتقادات الدولية، يواصل النظام تجاهل المطالبات الحقوقية والنداءات الأممية، مستغلًا الغطاء السياسي الذي توفره بعض القوى الإقليمية والدولية. 

ومع استمرار هذه الانتهاكات، يبقى التساؤل مفتوحًا: إلى متى سيستمر هذا القمع في ظل صمت المجتمع الدولي؟

اقرأ أيضًا : “بنك القاهرة” في قبضة الإمارات.. لماذا يفرط السيسي في ثالث أكبر بنك حكومي؟