لم تعد معركة غزة بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي مجرد صراع عسكري أو سياسي، بل تحولت إلى كابوس اقتصادي يثقل كاهل ميزانية الدولة. فقد كشفت هيئة البث الإسرائيلية أن العملية العسكرية المرتقبة لاحتلال مدينة غزة قد تصل تكلفتها إلى ما بين 20 و25 مليار شيكل، أي ما يعادل 5.9 إلى 7.3 مليارات دولار، وهو رقم يفتح الباب أمام جدل واسع حول جدوى هذه المغامرة العسكرية التي لم تُخفِ حتى المؤسسة الأمنية نفسها الشكوك بشأنها.
هذا الرقم لا يُقرأ بمعزل عن الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها إسرائيل منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث ارتفعت معدلات البطالة، وتباطأ النمو، وانخفضت الاستثمارات، في وقتٍ يطالب فيه الجيش بزيادة ميزانية الدفاع على حساب قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية.

تجنيد غير مسبوق وتكلفة بشرية واقتصادية
أشارت الهيئة إلى أن جيش الاحتلال جند أكثر من 35 ألف جندي احتياط، على أن ينضم إليهم 25 ألفًا إضافيين خلال الأسابيع المقبلة، ليصل العدد إلى 60 ألف جندي. هذا الحشد العسكري لا يعني فقط كلفة مالية ضخمة من رواتب ومخصصات وتعويضات، بل يفاقم أيضًا أزمة الاقتصاد المدني إذ يخرج عشرات الآلاف من سوق العمل، ويُتركون لشهور بعيدًا عن وظائفهم وأعمالهم.
وبحسب التقديرات، فإن الجيش سيشرك معظم ألوية قواته في العملية، باستثناء لواء المظليين الذي سيبقى في الضفة الغربية. ويُتوقع أن تبدأ العملية بتطويق مدينة غزة، ثم التوغل في شوارعها وأحيائها، فيما يُشدد نتنياهو على أنها “المعركة الأخيرة” ضد حركة حماس، متجاهلاً دروس الماضي وفشل العمليات السابقة.
معركة على حساب الشعب الفلسطيني
وربطت التقارير الإسرائيلية موعد الهجوم بعملية إجلاء واسعة النطاق لسكان غزة الذين يقدَّر عددهم بنحو 800 ألف نسمة. وحتى الآن، لم يغادر سوى 10 آلاف فقط، فيما تخطط الحكومة لمحاصرة المدينة وتشديد الهجمات ومنع دخول المساعدات لتضييق الخناق وإجبار المدنيين على النزوح. هذه السياسة، التي تندرج في إطار “الهندسة الديمغرافية”، تكشف الطبيعة الإجرامية للعملية، إذ تجعل من المدنيين هدفًا مباشرًا ضمن خطة عسكرية متعمدة.
من ناحية أخرى، تدرك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن هذه الخطط قد تهدد حياة الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في غزة، وهو ما يثير انقسامًا داخل القيادة بين خيار صفقة تبادل أسرى وخيار الهجوم البري الشامل. ورغم أن حركة حماس وافقت على مقترح وسطاء لوقف إطلاق نار جزئي وتبادل أسرى في 18 أغسطس/آب، فإن إسرائيل لم ترد رسميًا، ما يعكس إصرار نتنياهو على تغليب الأهداف السياسية والشخصية على الحسابات الإنسانية والعسكرية.
وثيقة الفشل.. هواجس متكررة
القناة الإسرائيلية “12” كشفت مؤخرًا عن وثيقة داخلية للجيش تُقر بفشل عملية “عربات جدعون” السابقة (16 مايو/أيار – 6 أغسطس/آب 2024) في تحقيق أهدافها المعلنة، وعلى رأسها القضاء على حماس واستعادة الأسرى. وإذا كان الاحتلال فشل في تحقيق هذه الأهداف رغم توظيف قوة نارية هائلة وتدمير أحياء بكاملها، فما الذي يضمن أن تنجح “عربات جدعون 2” في سيناريو أكثر تعقيدًا وبكلفة مالية مضاعفة؟
إن الإصرار على تكرار السيناريو نفسه مع توقع نتائج مختلفة لا يعكس إلا أزمة عميقة في الرؤية الاستراتيجية للقيادة الإسرائيلية، التي تجد نفسها بين مطرقة الضغوط الداخلية وسندان الفشل العسكري المستمر.
حرب إبادة.. أرقام صادمة
منذ بدء الحرب على غزة، خلفت آلة الحرب الإسرائيلية أرقامًا صادمة: أكثر من 63 ألفًا و633 شهيدًا، و160 ألفًا و914 مصابًا، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى 9 آلاف مفقود، ومجاعة أودت بحياة 361 فلسطينيًا بينهم 130 طفلًا. هذه الإحصاءات لا تكشف فقط حجم الكارثة الإنسانية، بل تعكس سياسة ممنهجة للإبادة الجماعية، جعلت من الاحتلال الإسرائيلي محل إدانة متزايدة في المحافل الدولية، بما في ذلك أمام المحكمة الجنائية الدولية.
ورغم ذلك، يواصل نتنياهو التلويح بخيار “احتلال غزة”، في وقتٍ تتصاعد فيه الضغوط الشعبية داخل إسرائيل لإنهاء الحرب، وتتزايد أصوات المعارضة التي تعتبر أن المغامرة الجديدة ستغرق البلاد في مستنقع دموي باهظ الكلفة بلا أفق سياسي.
خلاصة.. كلفة الهروب إلى الأمام
تكشف تقديرات الكلفة المالية لاحتلال غزة أن الاحتلال الإسرائيلي يسير نحو هاوية مالية وسياسية وعسكرية. فبينما تُصرف مليارات الدولارات على حرب عبثية، يعيش ملايين الفلسطينيين في غزة تحت القصف والتجويع والنزوح. وفي المقابل، يواجه الاقتصاد الإسرائيلي استنزافًا غير مسبوق، مع احتمالات انهيار قطاعات مدنية حيوية.
إن ما يروج له نتنياهو باعتباره “الحل النهائي” لحركة حماس، ليس سوى هروب إلى الأمام لتغطية فشله السياسي والعسكري، على حساب دماء الفلسطينيين من جهة، وأموال الإسرائيليين ومستقبلهم من جهة أخرى. والنتيجة: عملية ستُضاف إلى سجل الاحتلال المثقل بالجرائم والفشل، لتؤكد مجددًا أن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع كسر إرادة الشعوب ولا طمس حقها في الحرية والكرامة.
اقرأ أيضًا : واشنطن توقف التأشيرات للفلسطينيين: خلفيات ودلالات