أعاد تقرير نشرته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ الشرق الأوسط، بعد كشفه عن تمويل سري قدّمته ألمانيا الغربية للمشروع النووي الإسرائيلي خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ويفتح هذا الكشف الباب أمام تساؤلات عميقة حول الدور الأوروبي في تأسيس القدرات النووية الإسرائيلية، وحجم التواطؤ الدولي الذي سمح بقيام ترسانة نووية خارج أي رقابة أو مساءلة.

وبحسب التقرير، فإن حكومة ألمانيا الغربية حولت بين عامي 1961 و1973 مبالغ مالية ضخمة إلى إسرائيل عبر آلية قروض سرية، بلغت قيمتها الإجمالية نحو ملياري مارك ألماني، وهو ما يعادل اليوم أكثر من خمسة مليارات يورو. وتشير التقديرات إلى أن هذه الأموال أسهمت بشكل مباشر في تمويل مشروع مفاعل ديمونا النووي، الذي يعد حجر الأساس في البرنامج النووي الإسرائيلي.

ولا يقتصر الأمر على تقديم قروض فقط، إذ تم لاحقاً توقيع اتفاقية عام 1989 حولت تلك القروض عملياً إلى منحة، ما يعني أن الأموال التي ساهمت في بناء المشروع النووي الإسرائيلي جاءت في نهاية المطاف من المال العام الألماني.

مفاعل ديمونا.. قلب البرنامج النووي الإسرائيلي

ظل مفاعل ديمونا، الذي اكتشف وجوده في صحراء النقب أواخر عام 1960، محوراً لعدد كبير من الدراسات والأبحاث التي حاولت كشف طبيعة البرنامج النووي الإسرائيلي. وعلى الرغم من سياسة الغموض النووي التي تتبعها إسرائيل منذ عقود، فإن العديد من الدراسات أكدت أن المفاعل لعب دوراً أساسياً في إنتاج المواد الانشطارية اللازمة لصناعة الأسلحة النووية.

وقد تناولت كتب ودراسات عديدة هذا الملف، من بينها أعمال الباحث أفنير كوهين والصحفي الاستقصائي سيمور هيرش، إلى جانب دراسات أكاديمية وبحوث تاريخية حاولت تتبع جذور المشروع وتطوره. غير أن سؤالين أساسيين بقيا غامضين لفترة طويلة: كم بلغت تكلفة المشروع النووي الإسرائيلي؟ ومن الذي موّله فعلياً؟

ويبدو أن التقرير الجديد يقدم إجابة جزئية عن هذا السؤال، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من التمويل لم يكن من دافعي الضرائب الإسرائيليين أو من تبرعات يهودية خاصة، بل من خزينة ألمانيا الغربية.

جذور التعاون النووي بعد أزمة السويس

تعود بداية المشروع النووي الإسرائيلي إلى فترة ما بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حين أقامت إسرائيل علاقات وثيقة مع فرنسا. وفي تلك المرحلة وافقت باريس سراً على مساعدة إسرائيل في بناء مفاعل نووي ضمن اتفاقيات تعاون بين هيئتي الطاقة الذرية في البلدين.

لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك دافيد بن غوريون لم يكن مرتاحاً للاعتماد الكامل على الدعم الفرنسي، خصوصاً في ظل التحولات السياسية الدولية وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط. وقد اعتبر بن غوريون أن المشروع النووي يمثل ضمانة استراتيجية لبقاء إسرائيل في مواجهة ما وصفه بالتهديدات الوجودية.

في هذا السياق بدأ البحث عن شريك إضافي يمكنه توفير الدعم المالي والسياسي للمشروع النووي، وكان الخيار الذي وقع عليه بن غوريون هو ألمانيا الغربية، التي كانت تسعى في تلك الفترة إلى إعادة بناء علاقاتها الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.

المسؤولية التاريخية كغطاء للدعم النووي

يشير التقرير إلى أن القيادة السياسية في ألمانيا الغربية رأت في دعم إسرائيل التزاماً أخلاقياً نابعاً من المسؤولية التاريخية عن جرائم النازية ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية. وقد استغلت إسرائيل هذا الشعور بالذنب التاريخي لتوسيع نطاق الدعم الألماني، ليس فقط في مجال التعويضات المالية بل أيضاً في مجالات التعاون العسكري والتقني.

وكان اللقاء السري الذي جمع شمعون بيريز، المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية آنذاك، بوزير الدفاع الألماني فرانز يوزف شتراوس عام 1957 في مدينة بون، إحدى المحطات المبكرة التي وضعت أساس هذا التعاون.

وخلال تلك اللقاءات بدأ الحديث عن توسيع العلاقات الدفاعية بين الجانبين، بما يشمل دعم الصناعة العسكرية الإسرائيلية وتقديم مساعدات مالية ضخمة.

اجتماع نيويورك الذي غيّر المعادلة

تُعد اللحظة المفصلية في هذا المسار هي اللقاء الذي جمع بن غوريون بالمستشار الألماني كونراد أديناور في نيويورك عام 1960. ورغم أن الاجتماع عُقد بشكل علني، فإن تفاصيله ظلت سرية لسنوات طويلة.

وخلال ذلك اللقاء ربط بن غوريون أمن إسرائيل مباشرة بذكرى المحرقة النازية، مقدماً الدعم الألماني لإسرائيل بوصفه تعويضاً أخلاقياً عن جرائم الماضي وضمانة لبقاء الدولة العبرية في المستقبل.

وبعد الاجتماع تم إطلاق برنامج مالي سري تحت اسم “تطوير النقب”، وهو الاسم الذي استخدم كغطاء لتحويل الأموال الألمانية إلى إسرائيل.

شبكة تمويل سرية بعيدة عن الرقابة

وبسبب الحساسية السياسية الكبيرة لموضوع التعاون مع إسرائيل، خصوصاً في ظل العلاقات الألمانية مع الدول العربية، تم تصميم آلية معقدة لتحويل الأموال دون إثارة الانتباه.

فبدلاً من توقيع اتفاقية رسمية، جرى تحويل الأموال عبر بنك تنمية حكومي في فرانكفورت على شكل قروض ذات طابع تجاري. كما تم إخفاء الغرض الحقيقي من هذه التحويلات في الوثائق الرسمية، حيث وُصفت بأنها ترتيبات مالية مرتبطة باتفاقيات مع دول نامية غير محددة.

واللافت أن بعض كبار المسؤولين في الحكومة الألمانية لم يكونوا على علم بهذه الترتيبات، إذ تشير الوثائق إلى أن وزير الخارجية الألماني آنذاك لم يكن مطلعاً على تفاصيل البرنامج.

إرث ثقيل يكشف تواطؤاً غربياً

تكشف هذه المعلومات عن جانب مظلم من التاريخ السياسي الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تحولت مشاعر الذنب التاريخي إلى أداة لتمويل مشروع عسكري نووي خارج أي رقابة دولية.

كما يطرح الكشف تساؤلات خطيرة حول الدور الذي لعبته القوى الغربية في تمكين إسرائيل من امتلاك قدرات نووية سرية، في وقت كانت فيه تلك القوى نفسها تفرض قيوداً صارمة على البرامج النووية في دول أخرى.

وبينما تواصل إسرائيل التمسك بسياسة الغموض النووي، فإن مثل هذه التقارير تعيد فتح النقاش حول حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية، وحول المسؤولية الدولية في نشوء هذا الواقع الذي لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على أمن واستقرار الشرق الأوسط حتى اليوم.

اقرأ أيضا : تصاعد المواجهة الإقليمية.. هجمات متزامنة تستهدف قواعد أمريكية في العراق وسط رد إيراني متصاعد