أثارت وزارة الخارجية الإماراتية حالة من الالتباس بعد إصدار بيان جمع بين عبارتين تبدوان متناقضتين بشأن علاقة أبوظبي الاقتصادية مع إيران: ففي الوقت الذي قالت فيه إنها «تنفي كافة الادعاءات حول وضع العلاقة الاقتصادية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، أعلنت في البيان نفسه وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر.

وبحسب البيان الذي نقلته وكالة أنباء الإمارات «وام»، قالت مديرة إدارة الاتصال الاستراتيجي في وزارة الخارجية عفراء الهاملي إن الإمارات ترفض ما وصفته بالادعاءات المتعلقة بوضع العلاقة الاقتصادية مع إيران، قبل أن تؤكد أن التصعيد الإقليمي دفع أبوظبي إلى وقف كامل للتبادل التجاري والمالي مع طهران.

ماذا تنفي أبوظبي إذن؟

هنا يظهر السؤال الذي لم يجب عنه البيان بوضوح: ما هي «الادعاءات» التي تنفيها الخارجية تحديدًا؟

فإذا كانت أبوظبي نفسها تعلن رسميًا وقف التجارة والمعاملات المالية، فإن استخدام عبارة فضفاضة مثل «نفي كافة الادعاءات حول وضع العلاقة الاقتصادية» يفتح الباب أمام أكثر من تفسير.

هل المقصود نفي تقارير عن استمرار تسهيلات مالية سرية لإيران؟ أم نفي معلومات أخرى عن طبيعة العلاقة قبل قرار القطع؟ أم أن البيان جُمعت فيه رسالتان مختلفتان بصورة أحدثت هذا الالتباس؟

وزارة الخارجية لم تحدد في بيانها ماهية الادعاءات التي تقصدها، وهو ما جعل صياغتها تبدو متناقضة للوهلة الأولى.

قرقاش ينفي «التسهيلات المالية» لا قرار وقف التجارة

زاد أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، الصورة وضوحًا في اليوم التالي، عندما نفى معلومات عن تقديم أبوظبي تسهيلات مالية لإيران، ووصفها بأنها «شائعات»، لكنه لم ينف قرار وقف التبادل التجاري والمالي نفسه.

وهذا يرجح أن عبارة «نفي الادعاءات» في بيان الخارجية كانت تستهدف تقارير عن وجود قنوات أو تسهيلات مالية خاصة لإيران، وليس التراجع عن قرار وقف العلاقات التجارية.

لكن ذلك لا يعفي الخارجية من مشكلة الصياغة؛ إذ وضعت النفي والقطع في بيان واحد من دون توضيح الفاصل بينهما.

أزمة رواية في توقيت شديد الحساسية

تأتي هذه الصياغة المربكة في وقت تواجه فيه الإمارات تدقيقًا متزايدًا بشأن حجم علاقتها الاقتصادية بإيران، خصوصًا مع تهديد إدارة ترامب بفرض عقوبات على الدول والشركات التي توفر لطهران «شريان حياة» ماليًا أو تجاريًا.

كما تعد الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري لإيران بعد الصين، وبلغ حجم التجارة السلعية غير النفطية بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة عشرات المليارات من الدولارات سنويًا.

ولهذا فإن أي إعلان عن وقف كامل للتعاملات بين الطرفين يمثل تحولًا اقتصاديًا كبيرًا يصعب التعامل معه بعبارات مبهمة.

المشكلة إذن ليست أن أبوظبي أعلنت القطع ثم نفت أنها قطعته؛ بل أن الخارجية أصدرت بيانًا واحدًا يقول في مقدمته إنها تنفي «كافة الادعاءات حول وضع العلاقة الاقتصادية»، ثم يعلن بعد أسطر وقف العلاقة التجارية والمالية نفسها حتى إشعار آخر.

وفي ملف بهذا الحجم، لا تكفي العبارات الدبلوماسية الفضفاضة: إذا كانت الإمارات تنفي شيئًا آخر غير قرار وقف التجارة، فعليها أن تقول بوضوح ما الذي تنفيه. أما الجمع بين النفي والقطع في النص نفسه، فهو بالفعل أزمة في إدارة الرواية أكثر منه توضيحًا لها.