في خطوة تعكس توغل النهج البوليسي وتغليب القبضة الأمنية على مبادئ حقوق الإنسان والقوانين الدولية، أعلنت السلطات الأمنية في الكويت والسعودية عن عملية تسليم وتسلّم وصفتها بـ “التنسيق المشترك”، وهي في جوهرها تمثل ذروة الإجرام المتبادل في ملاحقة الأفراد والتنكيل بهم بعيداً عن ضمانات العدالة. هذه العملية التي جرت في منفذ السالمي الحدودي، لم تكن مجرد إجراء إداري، بل هي تجسيد لاتفاقيات قمعية غير قانونية تهدف إلى خنق أي محاولة للهروب من الأحكام الجائرة أو الملاحقات السياسية التي تغلفها السلطات بغطاء جنائي.

منفذ السالمي: مسرح لتبادل الضحايا تحت ستار “التعاون”

كشف الإعلان الرسمي عن استلام متهم هارب لاستكمال مدة محكوميته، عن عمق الشراكة في القمع بين البلدين. هذا “التعاون” الذي تفاخرت به وزارة الداخلية الكويتية، يراه مراقبون حقوقيون إمعاناً في انتهاك حق اللجوء والحماية من التنكيل. فبدلاً من الالتزام بالمواثيق التي تمنع تسليم الأفراد لجهات قد تمارس ضدهم صنوفاً من الانتقام السياسي أو الجسدي، اختارت السلطات في الكويت والسعودية تحويل الحدود إلى نقاط تفتيش لملاحقة المعارضين والهاربين من جحيم “العدالة المسيسة”.

إن سرعة الاستجابة التي أبداها الجانب السعودي في ضبط وتسليم الشخص المطلق عليه وصف “متهم”، تعكس رغبة محمومة من النظامين في سد كل الثغرات التي قد يتسلل منها من يرفضون الخضوع للأحكام الجائرة، وتحويل المنطقة إلى سجن كبير يتبادل فيه السجانون أدوار الحراسة والتسليم.

تصفية الحسابات تحت غطاء “اللجان المختصة”

لم تكتفِ السلطات بجريمة التسليم، بل أعلنت وزارة الداخلية الكويتية عن تشكيل لجنة تحقيق للوقوف على كيفية خروج المتهم من البلاد، في إشارة واضحة إلى نية التنكيل بكل من ساعد أو تهاون في خروج أي فرد يسعى للنجاة من مقصلة الأحكام. هذا النهج يهدف إلى ترهيب المجتمع والمؤسسات، والتأكيد على أن “يد القمع طولى” وتستطيع الوصول إلى أي شخص مهما حاول الاحتماء بالحدود الجغرافية.

هذا الإجرام الممنهج يتم تسويقه تحت شعار “تطبيق القانون على الجميع”، بينما الواقع يؤكد أن القانون يُستخدم كسلاح بيد السلطة للانقضاض على الخصوم والمعارضين، في حين يتم استثناء المتنفذين من أي ملاحقة. إن التركيز على “سرعة الاستجابة” السعودية يوضح أن هناك غرف عمليات مشتركة لا تهدف لحماية الأمن القومي، بل لحماية كراسي الحكم من أي صوت أو تحرك يخرج عن السيطرة.

تحالف القمع: رسائل ترهيب عابرة للحدود

يمثل هذا الحادث الأخير رسالة ترهيب واضحة لكل من تسول له نفسه الإقدام على معارضة السلطة أو الفرار من أحكامها: “لا ملجأ لكم”. إن الإشادات المتبادلة بين وزيري الداخلية في البلدين ليست إلا احتفاءً بنجاح عملية اختطاف قانوني مغطاة بالأوراق الرسمية. هذا التحالف الأمني يكرس مفهوم “الإجرام غير القانوني” الذي يتجاوز الدساتير الوطنية والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها هذه الدول شكلياً أمام الأمم المتحدة.

إن تسليم المعارضين أو المطلوبين في قضايا الرأي تحت مسميات جنائية هو الأسلوب المتبع في هذا التحالف، حيث يتم تفصيل التهم لتسهيل عمليات الترحيل القسري. وما جرى في منفذ السالمي هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التنكيل المتبادل، حيث تصبح الكويت حديقة خلفية للملاحقات السعودية، وتصبح السعودية ذراعاً باطشة للرغبات الأمنية الكويتية، في شراكة إجرامية تضرب بعرض الحائط كل قيم الحرية والكرامة الإنسانية.

مستقبل الحقوق في ظل “الشراكة الراسخة”

بينما تتحدث البيانات الرسمية عن “شراكة أمنية راسخة”، يقرأ الأحرار في البلدين هذا المصطلح بوصفه “شراكة في وأد الحريات”. إن تحويل الموانئ والمطارات والمنافذ البرية إلى كمائن لاصطياد الهاربين من القمع السياسي يضع المنطقة في عزلة حقوقية تامة. ومع استمرار هذا النهج، تتبدد الآمال في وجود قضاء مستقل أو إجراءات قانونية عادلة، إذ يصبح “الأمن” هو الحاكم والمشرع والجلاد في آن واحد، في ظل تعاون إجرامي يزداد توحشاً يوماً بعد يوم.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين