أضافت التهديدات الإيرانية بتوسيع المواجهة إلى مضيق باب المندب جبهة اقتصادية جديدة تضغط على مصر، بعدما بدأت الأسواق المحلية تسعير مخاطر اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، وسط قفزة في تكاليف الشحن البحري، وصعود الدولار في السوق الموازية إلى حدود 54 جنيهاً، ومخاوف من موجة جديدة من الغلاء تطاول الغذاء والطاقة ومستلزمات الإنتاج.
وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه اقتصاد السيسي من هشاشة متراكمة بسبب أزمة العملة الأجنبية، وارتفاع الدين الخارجي، والاعتماد الواسع على الاستيراد، فضلاً عن تراجع إيرادات قناة السويس خلال فترات اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وتحول السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح.
وبحسب خبراء ومسؤولين في قطاع النقل البحري، فإن أي تعطيل فعلي لحركة السفن عبر باب المندب سيؤثر مباشرة في قناة السويس، باعتبار المضيق البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وسيؤدي إلى إطالة زمن الرحلات، وارتفاع كلفة الوقود والتأمين والشحن، وزيادة أسعار السلع القادمة من آسيا وأوروبا إلى السوق المصرية.
قناة السويس تحت ضغط جديد
وقال عضو سابق بمجلس إدارة هيئة قناة السويس، طلب عدم كشف اسمه، إن شركات الملاحة العالمية لم تعلن حتى الآن وقف خطط العودة التدريجية إلى القناة، كما لم تتجه بعد إلى تحويل جماعي جديد للسفن نحو رأس الرجاء الصالح، إلا أن القطاع يعيش حالة ترقب شديدة في انتظار ما إذا كانت التهديدات ستتحول إلى خطوات ميدانية تعطل الملاحة في باب المندب.
وكانت قناة السويس قد بدأت خلال الأسابيع الأخيرة استعادة جزء من الخطوط الملاحية التي غادرت المنطقة بسبب التوترات الأمنية، غير أن أي تصعيد جديد قد يبدد هذه المكاسب المحدودة ويعيد حركة السفن إلى مسارات أطول وأكثر كلفة.
ويمثل استمرار هذا الوضع ضربة مباشرة لأحد أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر، في وقت تحتاج فيه حكومة السيسي إلى تدفقات دولارية كبيرة لسداد الديون وتمويل استيراد الوقود والقمح والمواد الخام.
قفزة في تكاليف الشحن تصل إلى 20%
وكشف نائب رئيس شعبة المستوردين بالغرف التجارية، حمادة العجواني، عن ارتفاع تكاليف الشحن البحري خلال يومين فقط بنسبة تراوحت بين 15% و20%، مع توقعات بامتداد الزيادات إلى مزيد من الخطوط الملاحية إذا استمر التصعيد العسكري في الخليج والبحر الأحمر.
وأوضح أن الارتفاع بدأ على خطوط الشحن القادمة من جنوب شرق آسيا، بينما شرعت شركات الملاحة في إعادة احتساب أسعار النقل على أساس زيادة أسعار الوقود وارتفاع مستوى المخاطر الأمنية.
ومن المتوقع أن تنعكس هذه الزيادات تدريجياً على أسعار السلع الغذائية والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج في السوق المصرية، خاصة مع وصول الشحنات الجديدة التي جرى التعاقد عليها بعد ارتفاع كلفة النقل والتأمين.
الدولار بـ54 جنيهاً والسوق الموازية تعود للواجهة
وامتدت تداعيات الأزمة إلى سوق الصرف، حيث ارتفع الدولار في البنوك إلى نطاق يقترب من 51 جنيهاً، بينما تراوح في السوق الموازية بين 53.5 و54 جنيهاً، ووصل في بعض التعاملات إلى نحو 55 جنيهاً.
ويرجع هذا الفارق إلى عجز البنوك في كثير من الحالات عن توفير العملة الأجنبية اللازمة لتغطية مصروفات النقل والشحن، رغم تمويلها قيمة البضائع المستوردة نفسها، ما يدفع المستوردين إلى شراء الدولار من السوق الموازية وتحميل الكلفة الإضافية على أسعار السلع.
وحذر مستوردون من أن استمرار نقص الدولار وارتفاع كلفة الشحن سيقودان إلى زيادات جديدة في الأسعار، خاصة في ظل غياب أي معالجة حقيقية لأزمة النقد الأجنبي واعتماد السلطة على الاقتراض والتدفقات المؤقتة بدلاً من إصلاح الإنتاج والصادرات.
النفط يتجاوز تقديرات الموازنة
وزادت الضغوط مع تجاوز سعر خام برنت مستوى 85 دولاراً للبرميل، وهو السعر الذي بنت عليه الحكومة تقديرات موازنة العام المالي 2026-2027.
ويرى اقتصاديون أن استمرار أسعار النفط فوق هذا المستوى سيزيد فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية، ويضاعف الأعباء على الموازنة العامة، وقد يمهد لزيادات جديدة في أسعار الوقود والكهرباء خلال الشهور المقبلة.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة مع تعهد الحكومة برفع أسعار الكهرباء حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2026، في إطار برنامج اقتصادي يحمّل المواطنين جانباً متزايداً من كلفة الأزمة.
المواطن يدفع فاتورة الخلل
ورغم أن بعض الشركات تعتمد حالياً على مخزونات جرى استيرادها قبل الزيادات الأخيرة، فإن خبراء يتوقعون انتقال الضغوط إلى المستهلك تدريجياً مع وصول شحنات جديدة، ما يعني ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والأجهزة والمواد الخام.
ويكشف التصعيد الجديد حجم هشاشة الاقتصاد المصري أمام أي أزمة خارجية؛ إذ تتحول اضطرابات الملاحة أو ارتفاع النفط سريعاً إلى زيادة في سعر الدولار والسلع، بسبب الاعتماد الكبير على الاستيراد، وضعف الإنتاج المحلي، واستنزاف موارد النقد الأجنبي في خدمة الديون والمشروعات غير ذات الأولوية.
وبينما تراقب حكومة السيسي تطورات الحرب في الخليج والبحر الأحمر، يبقى المواطن المصري الحلقة الأضعف، بعدما أصبح مطالباً بتحمل نتائج أزمة لم يصنعها، وسياسات اقتصادية راكمت الديون وأضعفت قدرة البلاد على مواجهة الصدمات الخارجية.