ينذر تلويح إيران باستخدام جماعة الحوثي المدعومة منها لإغلاق مضيق باب المندب بفتح جبهة اقتصادية وعسكرية جديدة في الحرب المتصاعدة مع الولايات المتحدة، وتهديد اثنين من أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم في وقت واحد، بعد أن تسببت المواجهات في اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز وتراجع حركة ناقلات النفط والغاز في الخليج.

وكشف تقرير تحليلي لوكالة «رويترز» أن خطورة التهديد الجديد لا تقتصر على تعطيل السفن المارة في البحر الأحمر، بل تمتد إلى ضرب المسار البديل الذي لجأت إليه دول الخليج لتجاوز أزمة هرمز، بعدما حولت السعودية كميات متزايدة من النفط عبر خطوط الأنابيب إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر.

وفي حال تنفيذ الحوثيين تهديداتهم واستهداف ناقلات الطاقة قرب باب المندب، ستجد صادرات النفط الخليجية نفسها محاصرة بين جبهتين: مضيق هرمز شرقاً، والبحر الأحمر وباب المندب غرباً، ما قد يؤدي إلى قفزات حادة في أسعار النفط والوقود وتكاليف الشحن والتأمين، ويدفع الاقتصاد العالمي نحو موجة تضخم جديدة.

من هرمز إلى باب المندب.. خنق شرايين الطاقة

وتزايدت أهمية البحر الأحمر خلال الأشهر الماضية بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء ضخم من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج.

ولجأت السعودية إلى استخدام خط أنابيب الشرق–الغرب لنقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع، في محاولة لتجاوز المضيق وتقليل اعتمادها على الممر البحري المهدد.

لكن هذا البديل نفسه يعتمد على مرور الناقلات عبر البحر الأحمر ثم باب المندب للوصول إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية، وهو ما يجعل أي هجمات حوثية على السفن ضربة مباشرة لخطة إنقاذ صادرات الخليج من أزمة هرمز.

وتشير تقديرات نقلتها «رويترز» إلى أن النفط والمنتجات البترولية العابرة لباب المندب تعادل نحو 7% من الإنتاج العالمي، ما يوضح حجم الصدمة المحتملة إذا تعرض الممر للإغلاق أو أصبح شديد الخطورة أمام شركات الملاحة.

ينبع تتحول إلى شريان بديل في مرمى الصواريخ

ومع احتدام الحرب، رفعت السعودية كميات النفط المنقولة إلى ميناء ينبع بصورة ملحوظة، فيما تكدست عشرات الناقلات في محيط الساحل الغربي للمملكة استعداداً للتحميل.

غير أن هذه الناقلات تقع ضمن نطاق الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تمتلكها جماعة الحوثي، ما يحول الميناء وخطوط الملاحة القريبة منه إلى أهداف محتملة حال اتساع المواجهة.

وكانت أسعار شحن الناقلات من ينبع قد ارتفعت بأكثر من الضعف في مراحل سابقة من الأزمة، مع مطالبة شركات التأمين بعلاوات إضافية لتغطية مخاطر الحرب والهجمات البحرية.

وتخشى الأسواق أن يؤدي استهداف سفينة واحدة محملة بالنفط أو الغاز إلى انسحاب شركات ملاحة جديدة من المنطقة، حتى دون إغلاق المضيق رسمياً، إذ يكفي ارتفاع مستوى الخطر لتعطيل حركة السفن ورفع الأسعار بصورة كبيرة.

الحوثيون يعيدون ورقة البحر الأحمر إلى الواجهة

استخدمت جماعة الحوثي البحر الأحمر خلال الحرب الإسرائيلية على غزة ساحة لاستهداف السفن التي قالت إنها مرتبطة بإسرائيل، ما دفع شركات شحن عالمية إلى الابتعاد عن قناة السويس وسلوك طريق رأس الرجاء الصالح الأكثر طولاً وكلفة.

وأدت تلك الهجمات إلى اضطراب واسع في سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتراجع حركة السفن عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

وخلال يونيو/حزيران 2026، جدد الحوثيون تهديدهم بمنع السفن المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي من المرور، بعد استئناف الهجمات الإسرائيلية على إيران، إلا أنهم لم ينفذوا تهديدهم على نطاق واسع حتى الآن.

لكن تجدد المواجهة الأمريكية الإيرانية، وتهديد طهران بنقل الصراع إلى ممرات بحرية إضافية، يعيدان احتمالات استخدام الحوثيين ورقة باب المندب كوسيلة ضغط على واشنطن وحلفائها.

علاقة وثيقة بطهران دون سيطرة مطلقة

وتصف الولايات المتحدة ودول غربية الحوثيين بأنهم أحد أبرز حلفاء إيران في المنطقة، بعد حصول الجماعة خلال السنوات الماضية على أسلحة وتكنولوجيا صاروخية وطائرات مسيّرة ودعم فني مرتبط بطهران.

ومع ذلك، يشير خبراء إلى أن الحوثيين لا يعملون بوصفهم قوة تخضع تلقائياً لكل أمر إيراني، بل يحتفظون بهامش قرار مستقل يرتبط بحساباتهم داخل اليمن وعلاقتهم بالسعودية ومسار التسوية السياسية.

ويفسر ذلك، وفق محللين، عدم اندفاع الجماعة حتى الآن إلى فتح جبهة بحرية شاملة، رغم التصعيد الإيراني الأمريكي، إذ قد تسعى للحفاظ على تفاهمات وقف التصعيد مع الرياض، وتجنب منح خصومها اليمنيين مبرراً لشن هجوم واسع عليها.

لكن طهران يمكنها استخدام علاقاتها العسكرية والسياسية مع الجماعة لتشجيعها على التصعيد أو دعم عملياتها، ما يجعل التهديد بإغلاق باب المندب ورقة إيرانية خطرة حتى إن لم تكن إيران تتحكم بصورة مباشرة في كل قرار حوثي.

قناة السويس في دائرة الخسائر

ولا تقتصر التداعيات المحتملة على دول الخليج وأسواق النفط، إذ يمثل باب المندب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والطريق المؤدي مباشرة إلى قناة السويس.

وأي تعطيل جديد للملاحة سيدفع شركات الشحن إلى تحويل السفن حول رأس الرجاء الصالح، ما يحرم مصر من جانب كبير من الإيرادات الدولارية للقناة، ويزيد زمن الرحلات البحرية واستهلاك الوقود وتكاليف نقل السلع.

وكانت قناة السويس قد تكبدت بالفعل خسائر واسعة خلال موجات الهجمات السابقة في البحر الأحمر، ومع بدء عودة محدودة لبعض خطوط الملاحة، يأتي التهديد الجديد ليضع هذه العودة أمام خطر الانهيار.

كما أن ارتفاع تكلفة الشحن والطاقة سينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد المصري الهش، في ظل اعتماد البلاد على استيراد الوقود والقمح والمواد الخام، ونقص العملة الأجنبية وتضخم أعباء الديون.

إغلاق مضيقين في وقت واحد

تكمن الخطورة غير المسبوقة في احتمال تعرض مضيقي هرمز وباب المندب للاضطراب في الوقت نفسه.

ففي الأزمات السابقة، كان تعطل أحد الممرين يسمح باستخدام الآخر أو الاعتماد على خطوط الأنابيب والموانئ البديلة. أما اليوم، فإن تهديد هرمز وباب المندب معاً يعني تقليص البدائل المتاحة أمام دول الخليج بصورة حادة.

ويصعب تعويض الكميات المارة عبر الممرين سريعاً، لأن خطوط الأنابيب البديلة تمتلك طاقة محدودة، كما أن الموانئ الواقعة خارج الخليج لا تستطيع استقبال كل الصادرات في وقت قصير.

وحتى الدول التي تستطيع ضخ النفط عبر البحر الأحمر ستظل بحاجة إلى عبور باب المندب للوصول إلى معظم الأسواق، ما يجعل أي اضطراب متزامن بمثابة حصار جزئي لصادرات الطاقة في المنطقة.

فشل القوى الغربية في تأمين البحر الأحمر

ويثير احتمال عودة الهجمات تساؤلات بشأن قدرة الولايات المتحدة والقوى الغربية على حماية السفن، بعدما فشلت الحملات العسكرية السابقة في إنهاء الخطر الحوثي بصورة كاملة.

ورغم نشر سفن حربية واعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة وتنفيذ ضربات ضد مواقع في اليمن، لم تتمكن القوى الغربية من توفير ضمانات دائمة لشركات الملاحة، التي واصلت تجنب البحر الأحمر بسبب الخطر على السفن والأطقم.

وأشار محللون عسكريون إلى أن العمليات الغربية حققت نجاحات تكتيكية في إسقاط المقذوفات، لكنها لم تحقق نصراً إستراتيجياً يسمح بإعادة حركة الملاحة إلى طبيعتها.

ويعني ذلك أن أي حملة جديدة قد تكون مكلفة وطويلة، خصوصاً إذا تزامنت مع الحرب في الخليج وانتشار القوات الأمريكية على عدة جبهات.

النفط أمام قفزة جديدة

ومع انخفاض عدد السفن العابرة لمضيق هرمز وتصاعد التهديدات في البحر الأحمر، بقيت أسعار النفط قرب أعلى مستوياتها في أسابيع، وسط حالة من الترقب داخل الأسواق.

ويرى محللون أن الأسعار لم تعكس بعد السيناريو الأسوأ المتمثل في تعطيل متزامن للمضيقين، وأن أي هجوم واسع على ناقلات النفط أو منشآت التصدير قد يدفع الخام إلى مستويات أعلى بكثير.

ولا يتعلق الخطر بالنفط الخام وحده، بل يشمل الغاز الطبيعي المسال والديزل ووقود الطائرات وغاز البترول المسال والمواد البتروكيماوية، ما يعني أن التداعيات ستصل إلى أسعار الكهرباء والنقل والصناعة والغذاء عالمياً.

وتتزايد الخطورة مع تراجع قدرة بعض الدول على تعويض الإمدادات، واضطراب صادرات الطاقة الروسية، وانخفاض المخزونات لدى مستهلكين رئيسيين، ما يجعل الأسواق أقل قدرة على امتصاص أي صدمة إضافية.

حرب الممرات تتحول إلى سلاح اقتصادي

يعكس التهديد الإيراني الجديد انتقال الحرب من استهداف المواقع العسكرية إلى توظيف الممرات البحرية كسلاح اقتصادي لإرغام الولايات المتحدة وحلفائها على التراجع.

فمن خلال تهديد هرمز وباب المندب، تستطيع طهران وحلفاؤها التأثير في أسعار الطاقة والتضخم وحركة التجارة، ورفع كلفة الحرب على الاقتصادات الغربية ودول المنطقة.

إلا أن هذه الإستراتيجية تهدد في الوقت نفسه ملايين المدنيين في الدول المستوردة للغذاء والطاقة، وتعرض اليمن ومصر ودول البحر الأحمر لأزمات اقتصادية وأمنية إضافية.

ويبقى تنفيذ الحوثيين للتهديد مرتبطاً بحسابات معقدة؛ تشمل علاقتهم بإيران، والتفاهمات مع السعودية، وتوازن القوى داخل اليمن، ومدى استعداد الولايات المتحدة وإسرائيل لتوسيع ضرباتهما.

لكن مجرد استمرار التهديد يكفي لرفع تكاليف التأمين والشحن، وإبقاء ناقلات النفط بعيداً عن المنطقة، وتحويل باب المندب إلى نقطة ضغط عالمية قد تحدد مسار المرحلة المقبلة من الحرب.