أعلنت ميليشيا الدعم السريع توغل عناصر تابعة لها داخل الأراضي التشادية «عن طريق الخطأ»، ووقوع اشتباكات مباشرة مع الجيش التشادي، في تطور خطير يفتح بابًا واسعًا على احتمالات توسع الحرب السودانية إلى الإقليم، ويضع العلاقات السودانية–التشادية على حافة الانفجار.

هذا الاعتراف، الذي بدا مقتضبًا في لغته ومراوغًا في مضمونه، جاء بعد ساعات من بيان رسمي شديد اللهجة صادر عن حكومة تشاد، أكدت فيه مقتل سبعة جنود تشاديين وإصابة آخرين، وتدمير آليات عسكرية، نتيجة «هجوم مسلح نفذته قوات الدعم السريع داخل الأراضي التشادية»، واصفة ما جرى بأنه «اعتداء غير مقبول وانتهاك واضح وخطير ومتكرر للسيادة الوطنية».

روايتان متناقضتان وحدود ملتهبة

بينما تحاول «الدعم السريع» تقديم الحادثة باعتبارها «توغلًا غير مقصود» في سياق اشتباكاتها المستمرة مع الجيش السوداني في شمال دارفور، تصر نجامينا على أن ما جرى عملية عسكرية مكتملة الأركان، استهدفت قوات الدفاع والأمن وحتى مدنيين في شرق البلاد.

هذا التناقض لا يمكن فصله عن الواقع الميداني في الشريط الحدودي بين السودان وتشاد، حيث تتقاطع مسارات القتال مع طرق التهريب، وحركة الميليشيات العابرة للحدود، وتداخل القبائل والسلاح. ومع اشتداد المعارك في مناطق أمبرو والطينة وكرنوي شمال دارفور، تحوّلت الحدود إلى مساحة رخوة تسمح بالاختراق، لكنها لا تبرر –وفق القانون الدولي– تنفيذ عمليات عسكرية داخل دولة ذات سيادة.

دارفور كمنصة تمدد لا كجبهة قتال

يسيطر «الدعم السريع» اليوم على معظم إقليم دارفور، مستفيدًا من الطبيعة الجغرافية المفتوحة، وضعف الدولة، وتفكك المؤسسات الأمنية. هذا التمدد لم يعد مجرد صراع داخلي مع الجيش السوداني، بل بات يحمل أبعادًا إقليمية، خصوصًا مع اقتراب العمليات من الحدود التشادية والليبية، وهو ما يثير مخاوف من تدويل الصراع وتحويله إلى حرب إقليمية بالوكالة.

الحكومة التشادية ذكّرت في بيانها بأنها التزمت «الحياد الصارم» منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، لكنها في الوقت نفسه أطلقت تحذيرًا أخيرًا بأن أي اعتداء جديد «سيُواجه برد فوري وقوي وحازم»، ما يعني أن نجامينا تضع نفسها الآن في وضع الاستعداد العسكري الكامل.

الدعم الخارجي… الإمارات في قلب الاتهام

لا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن الاتهامات المتكررة بتلقي «الدعم السريع» دعمًا سياسيًا وعسكريًا ولوجستيًا من الإمارات. تقارير أممية، وتحقيقات صحفية دولية، وشهادات ميدانية، تحدثت خلال الشهور الماضية عن خطوط إمداد، وتسليح، ودعم مالي ساهم في تعزيز قدرات الميليشيا، ليس فقط داخل السودان، بل في محيطه الإقليمي.

هذا الدعم، إن صحّ، لا ينعكس فقط على ميزان القوى داخل السودان، بل يهدد استقرار دول الجوار، وفي مقدمتها تشاد، التي تجد نفسها اليوم أمام ميليشيا عابرة للحدود، تمتلك السلاح والتمويل والغطاء السياسي، وتتحرك خارج أي إطار قانوني أو سيادي.

من «خطأ» إلى اختبار سيادة

وصف التوغل بأنه «خطأ» لا يبدو مقنعًا في نظر كثير من المراقبين، خصوصًا في ظل سقوط قتلى، وتدمير آليات، وتنفيذ هجوم داخل معسكر عسكري. الخطأ العسكري، وفق الأعراف، قد يكون عبورًا محدودًا أو اشتباكًا عابرًا، لا عملية مسلحة كاملة داخل أراضي دولة أخرى.

الأخطر أن قبول مثل هذه الرواية يفتح الباب أمام تكرار الحوادث، ويُضعف مفهوم السيادة، ويحوّل الحدود إلى خطوط وهمية يمكن تجاوزها بذريعة «الارتباك الميداني».

سيناريوهات مفتوحة ومخاطر إقليمية

الحادثة تضع عدة سيناريوهات على الطاولة: تصعيد تشادي مباشر ضد مواقع «الدعم السريع» داخل السودان، انخراط أطراف إقليمية أخرى، أو استمرار سياسة ضبط النفس مع رفع مستوى الردع. لكن المؤكد أن الحرب السودانية لم تعد شأنًا داخليًا، وأن استمرار دعم الميليشيات، خصوصًا من قوى إقليمية نافذة، سيجعل من السودان بؤرة عدم استقرار تمتد نيرانها إلى الجوار.

في المحصلة، توغل «الدعم السريع» في تشاد –سواء كان «خطأ» أو فعلًا مقصودًا– يكشف مرة أخرى أن هذه الميليشيا لم تعد تمثل خطرًا على السودان وحده، بل على الأمن الإقليمي بأسره، وأن أي تسوية سياسية لا تتضمن تفكيكها ووقف داعميها الخارجيين، ستبقى مجرد هدنة مؤقتة فوق برميل بارود.

اقرأ أيضا : السلطات السعودية تعتقل الدكتور محمد السيد مقدم برنامج سواعد الإخاء