تدخل الكارثة الإنسانية بـ السودان مرحلة طوارئ بالغة الخطورة؛ بـ ظل توقف عشرات المخابز عن العمل وانعدام مادة الخبز بـ العاصمة الخرطوم والمدن الرئيسية، بالتزامن مع قفزات قياسية بـ أسعار الذرة والسلع الأساسية وتآكل القدرة الشرائية لـ ملايين الأسر المحاصرة بنيران النزاع الممتد منذ أكثر من 42 شهراً.

وأفاد تقرير صحيفة «العربي الجديد» بـ أن الأزمة المعيشية تفاقمت عقب مضاعفة أسعار الدقيق بـ صورة غير مسبوقة؛ حيث قفز سعر كيس الدقيق (زنة 25 كيلوغراماً) من 95 ألف جنيه سوداني إلى نحو 190 ألف جنيه (نحو 38 دولاراً بـ السعر الرسمي)، ما جعل مبلغ ألف جنيه لا يكفي سوى لشراء قطعتين فقط من الخبز بدلاً من خمس قطع كما كان عليه الحال سابقاً، لتضطر عشرات المخابز بـ الخرطوم وأم درمان لـ إغلاق أبوابها والتوقف التام عن الإنتاج.

ارتفاع الذرة وتجريف القدرة الشرائية ولم تتوقف الضائقة المعيشية عند حدّ رغيف الخبز؛ إذ ارتفعت أسعار الذرة—التي تشكل الغذاء الرئيسي واليومي لـ غالبية الفئات البسيطة والأسر الفقيرة بالولايات—لـ مستويات قياسية بـ الأسواق الريفية ومختلف الولايات. وأسفر شلل الأنشطة الاقتصادية وانقطاع سلاسل الإمداد عن فقدان ملايين الأسر لـ مصادر رزقها ومدخراتها، لتصبح الأسر عاجزة بـ الكامل عن تدبير الاحتياجات الغذائية الأساسية لـ أبنائها.

وتتزامن هذه التطورات الميدانية مع تحذيرات دولية أطلقتها أكثر من 30 دولة بـ شأن المخاطر الكارثية للتدهور الغذائي بـ البلاد والخطر الداهم لـ اتساع رقعة المجاعة؛ بـ الوقت الذي تنفي فيه الحكومة السودانية وجود نقص بالمخزون الاستراتيجي، بـ بينما يكتوي المواطنون بـ نار الجوع وشح الإغاثة الميدانية.

شهادات قاسية من الميدان: «تقليص الوجبات لـ وجبة واحدة بـ اليوم» ونقل التقرير الميداني صوراً مأساوية من واقع العائلات السودانية؛ حيث أشار المواطن الطاهر محمد (47 عاماً) من مدينة أم درمان إلى أن الأزمة المعيشية الحالية أضحت أشد قسوة من أوقات المواجهات العسكرية المباشرة، مؤكداً أن العجز المالي أجبر أسرته المكونة من 6 أفراد على تقليص الوجبات لـ وجبة واحدة بـ اليوم مع التنازل عن قيمتها الغذائية وجودتها، مشيراً لـ أن أطفاله بـاتوا على وشك الإصابة بـ مرض سوء التغذية.

وفي ولاية شمال كردفان، أكد المواطن الطيب عبد الله (أب لـ 5 أطفال) أن فشل الموسم الزراعي بـ سبب شح الأمطار وتواصل المواجهات المسلحة جرد أسرته من مصدر الدخل الوحيد منذ 7 أشهر، مضيفاً أن انعدام المساعدات والارتفاع الفاحش بـ أسعار الذرة يهددان بـ هلاك المدنيين جوعاً بـ ظل تحول كردفان لـ جبهة قتال مفتوحة.

تغذية الحرب الإماراتية وهدم مقومات الحياة وتسلط هذه المأساة المعيشية العاصفة الضوء على التبعات المباشرة لـ الحرب وتدمير البنية التحتية والمؤسسات الإنتاجية بـ البلاد؛ حيث تواصل دولة الإمارات عبر وكيلها الميداني ميليشيا «الدعم السريع» تدمير الأراضي الزراعية، ونهب المحاصيل، وحصار القرى والمدن، لإجبار المواطنين على النزوح القسري وتحويل مادة الغذاء لـ سلاح ابتزاز ومساومة سياسية.

ويرى المتابعون أن استمرار أبوظبي بـ خرق القرارات الأممية وتزويد الميليشيات المسلحة بـ المرتزقة والأسلحة لـ ضمان استدامة المعارك، يمثل المحرك والمسبب الأبرز لـ شلل المخابز والقطاع الزراعي بـ السودان؛ ما يستوجب تحركاً دولياً حازماً لـ قطع إمدادات السلاح ومحاسبة الأطراف الممولة لـ تجويع وإبادة الشعب السوداني.