أثار قرار السلطات التونسية سحب الإعلان بموجب المادة 34 (6) من البروتوكول الملحق بالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب موجة تنديد واسعة من منظمات دولية ومحلية، اعتبرته خطوة خطيرة نحو تفكيك أدوات المساءلة الإقليمية، وتكريسًا لنهج الإفلات من العقاب الذي تصاعد منذ استحواذ الرئيس قيس سعيد على كامل السلطات عام 2021.

الإعلان، الذي كانت تونس قد تبنته سابقًا طواعية، مكّن الأفراد والمنظمات الحقوقية من رفع دعاوى مباشرة ضد الدولة التونسية أمام المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. ومع سحب هذا الإعلان، تُغلق واحدة من آخر النوافذ المتاحة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد.

 1. المحكمة الأفريقية: شوكة في خاصرة السلطة التنفيذية

ليست هذه الخطوة مفاجئة بالنظر إلى سجل المحكمة الأفريقية في إصدار أحكام أدانت ممارسات السلطة التنفيذية في تونس خلال السنوات الأخيرة. أبرز هذه الأحكام:

  • سبتمبر 2022: الحكم ببطلان المراسيم الرئاسية التي أُقرت خلال حالة الاستثناء، باعتبارها تنتهك حق المشاركة السياسية المكفول في الميثاق الأفريقي.

  • أغسطس 2023: أمر باتخاذ تدابير عاجلة لحماية المعتقلين السياسيين.

  • أكتوبر 2024: قرار بتعليق العمل بالمرسوم الرئاسي الخاص بعزل القضاة، والذي استخدم كأداة لترهيب الجهاز القضائي وتفريغه من استقلاليته.

رغم هذه الأحكام، لم تنفذ الحكومة التونسية أيًا منها، بل واصلت تعزيز سيطرة الرئاسة على المؤسسات، ما يُفسر هذا الانسحاب كخطوة متعمدة للتخلص من أي رقابة قانونية خارجية.

 2. من المساءلة إلى الانغلاق: انسحاب يقطع طريق العدالة

وفقًا للبيان المشترك الصادر عن منظمات مثل العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، وجمعية تقاطع للحقوق والحريات، فإن القرار يمثل:

“انتكاسة كبرى للعدالة في تونس، وإغلاقًا لأحد المسارات القليلة المتبقية أمام الضحايا المحتملين.”

ورغم أن القرار لن يدخل حيّز التنفيذ إلا في مارس 2026، فإن آثاره المعنوية والسياسية بدأت فورًا، حيث يُفسر على أنه رسالة واضحة من السلطة بأنها غير معنية بمساءلة دولية أو إقليمية، وهو ما يضعف ثقة الضحايا والمجتمع المدني في أي التزام رسمي بالحقوق.

 3. قيس سعيد والمنهج السلطوي: القضاء على التوازنات والمؤسسات

الانسحاب من المحكمة الإقليمية يأتي كحلقة جديدة في سلسلة تفكيك الضمانات الدستورية والقانونية التي بدأها قيس سعيد منذ إعلانه الإجراءات الاستثنائية في يوليو 2021، والتي شملت:

  • حل البرلمان المنتخب.

  • إصدار مراسيم رئاسية فوق دستورية.

  • التحكم في القضاء، بما في ذلك عزل عشرات القضاة.

  • محاكمة المعارضين أمام محاكم عسكرية أو بتهم إرهابية فضفاضة.

وبذلك، يتحول النظام التونسي تدريجيًا من حالة “الديمقراطية المعطوبة” إلى نظام سلطوي كامل، يخشى أي رقابة أو محاسبة، حتى ولو كانت من مؤسسات أفريقية غير ملزمة التنفيذ بالقوة.

 4. أبعاد إقليمية ودولية: صفعة للآلية الأفريقية ككل

القرار لا يخص تونس فقط، بل يشكل تهديدًا سافرًا لمنظومة العدالة الإقليمية في أفريقيا.

فالمادة 34 (6) التي انسحبت منها تونس هي الآلية الوحيدة التي تُمكّن الأفراد والمنظمات من التوجه مباشرة إلى المحكمة، وقد سبق أن انسحبت منها دول أخرى، مثل رواندا وساحل العاج، حين بدأت المحكمة بالنظر في تجاوزاتها.

وهذا الانسحاب التونسي، بحسب مراقبين، يضعف المحكمة الأفريقية نفسها، ويضرب مصداقية مؤسسات الاتحاد الأفريقي في حماية حقوق الإنسان، خاصة في ظل عجزها عن إلزام الحكومات بتنفيذ الأحكام الصادرة.

تونس إلى أين؟

قرار تونس ليس إجراءً تقنيًا قانونيًا، بل مؤشر سياسي واضح على اتجاه الحكم في البلاد نحو عزلة حقوقية وتضييق ممنهج على المجتمع المدني.

ومع استمرار الانتهاكات، وغياب رقابة داخلية فعالة، وإغلاق أبواب القضاء الدولي، يتجه الوضع في تونس إلى حالة انسداد تام في أفق العدالة والمساءلة.

إن إصرار السلطة على خنق الآليات الإقليمية يزيد من خطورة الوضع، لا على حقوق الإنسان فقط، بل على الاستقرار السياسي والاجتماعي، في بلد كان يومًا ما يُقدّم نموذجًا للتحول الديمقراطي في العالم العربي.

اقرأ أيضا: تونس على صفيح ساخن.. تشققات في بنية السلطة وتصاعد الغضب الشعبي