في تصعيد نضالي غير مسبوق يعكس عمق الأزمة التي تعيشها تونس تحت وطأة الحكم الفردي، أعلنت الهيئة الوطنية للمحامين بتونس عن دخول كافة محاكم البلاد في سلسلة من الإضرابات العامة والتحركات الميدانية، احتجاجاً على سياسات نظام قيس سعيد التي دمرت المرفق القضائي وحولته إلى أداة لقمع المعارضين والتنكيل بالحقوق والحريات.
يأتي هذا التحرك في ظل حالة من الاحتقان الشديد بين قطاع المحاماة والسلطة القائمة، حيث تتهم الهيئة نظام “سعيد” بالتعنت المتعمد وتجاهل المطالب المهنية والحقوقية، تزامناً مع حملة أمنية وقضائية ممنهجة تستهدف تفكيك مؤسسات الدولة وتحويل القضاء إلى مجرد “وظيفة” تابعة لإرادة الرئيس.

خارطة “الغضب القانوني”: إضرابات تصاعدية تهز أركان السلطة
أصدرت الهيئة الوطنية للمحامين بياناً شديد اللهجة مساء الأربعاء، رسمت فيه خارطة طريق لنضالاتها خلال الشهرين الجاري والمقبل. وأكدت الهيئة أن التحركات ستبدأ بسلسلة من الإضرابات الجهوية والمحلية لتتوج بإضراب وطني شامل في 18 يونيو المقبل. وجاء الجدول الزمني كالتالي:
- 19 مايو: إضراب عام في محاكم تونس الكبرى ونابل وزغوان، مع وقفة احتجاجية في المحكمة الابتدائية بتونس.
- 21 مايو: إضراب محلي يشمل محاكم بنزرت وباجة وجندوبة والكاف وسليانة.
- 25 مايو: شلل تام في محاكم صفاقس وقفصة وتوزر وسيدي بوزيد.
- 1 يونيو: إضراب محاكم الجنوب (مدنين، قابس، قبلي، تطاوين).
- 8 يونيو: إضراب محاكم سوسة والمنستير والمهدية والقيروان والقصرين.
هذا الزحف النضالي يهدف، حسب مراقبين، إلى محاصرة سياسات النظام التي أدت إلى تدهور البنية التحتية للمحاكم وتعطل مصالح المتقاضين بشكل لم تشهده البلاد حتى في أحلك عصور الدكتاتورية.
إجرام قيس سعيد: تصفية القضاء وإرساء دولة “الرجل الواحد”
يرى قطاع واسع من المحامين والحقوقيين في تونس أن ما يمارسه قيس سعيد يتجاوز مجرد “الفشل الإداري” ليصل إلى حد “الإجرام السياسي” بحق العدالة. فمنذ انقلابه على الدستور، شرع سعيد في تدمير السلطة القضائية عبر حل المجلس الأعلى للقضاء الشرعي وتعويضه بآليات تعيين خاضعة له، واستخدام “المذكرات المصلحية” لنقل القضاة بشكل تعسفي دون سد الشواغر، مما أدى إلى شلل تام في العديد من الدوائر القضائية.
ويؤكد المحامون أن وزارة العدل في عهد سعيد لم تعد جهة لتنظيم المرفق، بل تحولت إلى “غرفة عمليات” لتنفيذ تعليمات الرئيس في ملاحقة النشطاء والمحامين أنفسهم. إن تجاهل السلطة لمطالب المحامين بإصلاح صندوق الضمان الاجتماعي والتقاعد وتحسين ظروف العمل، ليس إلا جزءاً من استراتيجية أوسع لتركيع هذا القطاع التاريخي الذي كان دائماً حائط الصد الأول ضد الاستبداد.
قمع الرداء الأسود: استهداف المحاماة كآخر معاقل الحرية
لم يكتفِ نظام قيس سعيد بتعطيل المرفق العام، بل انتقل إلى القمع المباشر عبر ملاحقة المحامين أمنياً وقضائياً في محاولة لإخراس صوتهم. وتشدد الهيئة الوطنية للمحامين على أن الدفاع عن “ضمانات المحاكمة العادلة” أصبح معركة وجودية في ظل استمرار الاعتقالات السياسية والمحاكمات العسكرية للمدنيين.
تدهور الوضع الحقوقي وصل إلى مستويات كارثية، حيث تُدار المحاكم بنقص حاد في الإطار القضائي والإداري، مع بنية تحتية متهالكة تعكس استخفاف النظام بحقوق المواطنين. المحامون في تونس اليوم لا يضربون من أجل مطالب مادية فحسب، بل يواجهون محاولة لتحويل تونس إلى “سجن كبير” يغيب فيه القانون وتسيطر فيه رغبات الحاكم بأمره.
المواجهة المفتوحة: هل يرضخ النظام لضغط الشارع القانوني؟
يضع هذا التصعيد قيس سعيد أمام مواجهة مباشرة مع قطاع يضم آلاف المحامين الذين يتمتعون بقدرة عالية على التعبئة والتأثير في الرأي العام. إن إصرار المحامين على خوض “جميع أشكال النضال” يبعث برسالة قوية بأن سياسة “الأمر الواقع” التي يفرضها سعيد لن تمر دون مقاومة شرسة.
ومع اقتراب موعد الإضراب الوطني الشامل في 18 يونيو، تترقب الأوساط السياسية في تونس ما إذا كانت هذه التحركات ستكون وقوداً لانتفاضة حقوقية واجتماعية أوسع تنهي حقبة القمع والعبث بمؤسسات الدولة التي يقودها ساكن قصر قرطاج. فالمحاماة التونسية، التي كانت دوماً وقود الثورات، تؤكد اليوم أن “مرفق العدالة” ليس للمساومة، وأن دكتاتورية “المذكرات والتعيينات” مآلها السقوط أمام إرادة القانون.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين