أثارت قضية مغادرة مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى، متهم بمحاولة الاعتداء الجنسي على قاصر، جدلا سياسيا وإعلاميا واسعا في الولايات المتحدة، وسط اتهامات بازدواجية المعايير والتساهل غير المبرر مع المتهم مقارنة بغيره من المتهمين الأجانب.
القضية فتحت باب التساؤلات حول النفوذ الإسرائيلي في واشنطن، والاعتبارات السياسية والقضائية التي سمحت بعودة مسؤول متهم إلى تل أبيب، بدل إبقائه للمثول أمام المحكمة الأمريكية.

تفاصيل القضية وملابسات الإفراج
المتهم هو توم أرتيوم ألكسندروفيتش (38 عاما)، المدير التنفيذي لمديرية الأمن السيبراني في إسرائيل، الذي حضر إلى مدينة لاس فيغاس الأمريكية للمشاركة في مؤتمر “بلاك هات يو إي إيه” المتخصص في الأمن السيبراني. وبحسب تقارير قناة 8 نيوز ناو المحلية، فقد أُلقي القبض عليه بعدما حضر لقاءً كان يظن أنه مع فتاة قاصر تبلغ 15 عاما، بينما كانت في الحقيقة شرطية أمريكية متخفية.
وثائق الشرطة كشفت أن المسؤول الإسرائيلي أحضر معه واقيا ذكريا إلى اللقاء، الذي كان يتضمن دعوة لحضور عرض “سيرك دو سوليه”، ما عزز التهم الموجهة إليه بمحاولة استدراج قاصر لممارسة الجنس. وقد وُجهت له تهمة رسمية بالتغرير بقاصر، وهي تهمة تصل عقوبتها إلى السجن عشر سنوات.
ورغم خطورة التهمة، أُفرج عن ألكسندروفيتش بكفالة مالية قيمتها 10 آلاف دولار فقط، على أن يمثل أمام المحكمة بتاريخ 27 أغسطس/آب الجاري. غير أن ما أثار الجدل هو سماح المحكمة له بمغادرة الولايات المتحدة والعودة إلى إسرائيل، الأمر الذي اعتبره ناشطون “امتيازا استثنائيا” لم يكن ليُمنح لأي متهم آخر في ظروف مشابهة.
ردود الفعل الغاضبة
أثار القرار موجة غضب في الأوساط الحقوقية والإعلامية الأمريكية. إذ تساءل كثيرون: كيف يمكن السماح لشخص متهم بمحاولة استغلال قاصر بالعودة إلى بلاده بحرية؟ وما الضمانة لالتزامه بالعودة إلى المحكمة؟
من أبرز الأصوات المنتقدة كانت النائبة الجمهورية مارغوري تايلور غرين، المعروفة بدعمها للرئيس السابق دونالد ترامب، لكنها اتخذت مؤخرا مواقف ناقدة لإسرائيل بسبب حربها في غزة. فقد كتبت على منصة “إكس”:
“هل ستُعتبر إعادة المدير التنفيذي للأمن السيبراني لنتنياهو إلى المحكمة والحكم عليه بالعقوبة القصوى معاداة للسامية؟ كيف أصبحت أمريكا خاضعة لإسرائيل لدرجة أننا سمحنا لمعتد جنسي على قاصر بالهرب، بينما كنا سنعامل مكسيكيا أو أي أجنبي آخر بالقسوة نفسها؟”
هذا التصريح لقي صدى واسعا، لأنه سلط الضوء على “ازدواجية المعايير” التي تُعامل بها القضايا حين يتعلق الأمر بمسؤولين إسرائيليين مقارنة بمواطنين من دول أخرى.
تبريرات السلطات الأمريكية
من جانبها، نفت وزارة الخارجية الأمريكية أي دور للحكومة الفدرالية في القضية، مؤكدة أن ألكسندروفيتش لم يطالب بحصانة دبلوماسية، وأن قرار الإفراج بكفالة كان بيد القاضي المحلي فقط.
كما أوضح المدعي العام في لاس فيغاس كلارك ستيف وولفسن أن الكفالة البالغة 10 آلاف دولار “هي المبلغ الاعتيادي لهذه التهمة”، وأن أي متهم يمكنه دفعها للحصول على إفراج غير مشروط إلى حين موعد المحكمة. واعتبر أن القضية خضعت للإجراءات المعتادة، نافيا وجود أي “استثناء قانوني” لصالح المسؤول الإسرائيلي.
غير أن هذه التبريرات لم تُقنع كثيرا من الأمريكيين، الذين يرون أن “التساهل العملي” المتمثل في السماح للمتهم بمغادرة البلاد يشكل حماية غير مباشرة، ويثير الشكوك حول نفوذ اللوبي الإسرائيلي والضغوط السياسية المحتملة في مثل هذه الملفات.
ازدواجية المعايير: مقارنة مع الفلسطينيين
القضية سلطت الضوء أيضا على الفارق الصارخ في تعامل السلطات الأمريكية مع قضايا أخرى، خصوصا تلك المتعلقة بالطلاب والنشطاء الفلسطينيين. ففي الأشهر الأخيرة، اعتُقل عدد من الطلاب الفلسطينيين أو النشطاء المتضامنين مع غزة في الجامعات الأمريكية بتهم “تعكير الصفو العام” أو “التحريض”، وواجهوا إجراءات مشددة وحرمانا من الكفالة أو تهديدا بالترحيل.
بينما يُسمح لمسؤول إسرائيلي متهم بجريمة خطيرة كاستغلال قاصر بالخروج من أمريكا بكفالة مالية زهيدة، يُعامل طلاب فلسطينيون عزّل وكأنهم خطر أمني داهم. هذا التباين عمّق شعور الغضب لدى قطاعات من الرأي العام الأمريكي، التي رأت أن ما حدث “فضيحة قضائية” تكشف خضوع العدالة الأمريكية للضغوط السياسية.
أبعاد سياسية وأمنية
ما يزيد من حساسية القضية أن المتهم يشغل موقعا أمنيا حساسا في إسرائيل يتعلق بالأمن السيبراني، وهو قطاع وثيق الصلة بالتعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. عودته إلى تل أبيب تعني عمليا أن أي متابعة أو مساءلة أمريكية ستصبح رهينة للتعاون مع السلطات الإسرائيلية، التي قد لا تكون متحمسة لإعادة مسؤول بهذا المستوى لمواجهة محاكمة علنية في الخارج.
كما أن توقيت القضية يتزامن مع تراجع صورة إسرائيل في الرأي العام الغربي بسبب الحرب المستمرة في غزة، ما جعل السماح لمتهم بالتحرش بقاصر بمغادرة أمريكا يُنظر إليه كـ”فضيحة أخلاقية” تضيف إلى رصيد الانتقادات الموجهة للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي.
الخاتمة: أزمة ثقة في العدالة الأمريكية
خروج توم ألكسندروفيتش من الولايات المتحدة بعد اتهامه بمحاولة الاعتداء على قاصر لم يكن مجرد حادثة جنائية عابرة، بل تحوّل إلى رمز لأزمة الثقة في نزاهة العدالة الأمريكية، حين يتعلق الأمر بعلاقاتها الخاصة مع إسرائيل.
ففي الوقت الذي يُعتقل فيه نشطاء فلسطينيون في الجامعات الأمريكية ويُعاملون كـ”مجرمين خطيرين”، يُسمح لمسؤول إسرائيلي متهم بجريمة جنسية خطيرة بمغادرة البلاد بحرية. هذا التناقض أثار تساؤلات قاسية: هل القانون في الولايات المتحدة يطبَّق على الجميع، أم أن هناك استثناءات حين يتعلق الأمر بحلفاء بعينهم؟
القضية مرشحة لمزيد من التفاعل مع اقتراب موعد المحكمة في أواخر أغسطس، إذ ستتجه الأنظار إلى ما إذا كان ألكسندروفيتش سيعود فعلا إلى الولايات المتحدة للمثول أمام القضاء، أم أن مغادرته كانت “باب هروب مفتوح” لن يغلق أبدا.
اقرأ أيضًا : رايتس ووتش: لوس أنجلوس تحولت إلى ساحة بطش أمني