أثار قرار تغيير اسم شارع “الشهيد عز الدين القسام” في العاصمة الأردنية عمّان موجة واسعة من الجدل والغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط اتهامات رسمية وشعبية بمحاولة طمس الرموز المرتبطة بالمقاومة، وإعادة صياغة الفضاء العام بما يتماشى مع اعتبارات سياسية وأمنية حساسة، في مرحلة إقليمية بالغة التعقيد.
وجاء الجدل عقب تداول صور تظهر إزالة اسم القسام من أحد شوارع منطقة جبل الحسين وسط العاصمة، واستبداله باسم “الشهيد غيث قاسم الرحاحلة”، وهو رجل أمن قُتل عام 2022 خلال اشتباك مع خلية وصفتها الحكومة بالإرهابية في محافظة معان.

تغيير اللافتة يشعل مواقع التواصل
بمجرد انتشار صور اللافتة الجديدة، اندلعت موجة انتقادات واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، عبّر فيها ناشطون عن استيائهم من حذف اسم أحد أبرز رموز المقاومة العربية والإسلامية ضد الاستعمار.
واعتبر كثيرون أن القرار لا يمكن فصله عن السياق السياسي الإقليمي، ولا عن الضغوط غير المعلنة المرتبطة بالموقف من القضية الفلسطينية، خاصة في ظل العدوان المتواصل على غزة، والتصعيد الإسرائيلي في المنطقة.
ورأى ناشطون أن إزالة اسم القسام تمثل “رسالة سياسية” أكثر من كونها إجراءً إدارياً عادياً، تعكس رغبة في إبعاد الرموز المرتبطة بالمقاومة عن المجال العام.
عز الدين القسام.. رمز يتجاوز الجغرافيا
يُعد عز الدين القسام أحد أبرز رموز الكفاح العربي في القرن العشرين، إذ قاد المقاومة المسلحة ضد الانتداب البريطاني في فلسطين، وسبق ذلك نشاطه ضد الاحتلال الفرنسي في سوريا، ما جعله رمزاً عابراً للحدود الوطنية.
ويرى معارضو القرار أن القسام لا يمثل شخصية “غير أردنية”، كما يروّج البعض، بل رمزاً عربياً وإسلامياً جامعاً، ارتبط اسمه بالتحرر ومقاومة الاستعمار، ولا يمكن اختزاله في جنسية أو حدود سياسية.
ويؤكد هؤلاء أن وجود اسمه في شوارع عمّان كان يعكس موقفاً تاريخياً للأردن الداعم للقضية الفلسطينية، ويمثل بعداً هوياتياً وثقافياً لا يجوز التفريط به.
تكريم الشهيد الرحاحلة.. بين الاحترام والمقارنة
في المقابل، شدد مؤيدو القرار على أن غيث الرحاحلة يُعد شهيداً وطنياً سقط أثناء أداء واجبه، وأن تخليد اسمه في أحد شوارع العاصمة حق مشروع وتقدير مستحق لتضحياته.
ويرى هؤلاء أن تسمية الشوارع بأسماء شهداء أردنيين تعزز الهوية الوطنية، وتكرّس ثقافة الاعتراف برجال الأمن الذين يواجهون التهديدات الداخلية.
لكن معارضين للقرار أكدوا أن تكريم الرحاحلة لا يتطلب بالضرورة إزالة اسم القسام، وكان بالإمكان إطلاق اسمه على شارع آخر لا يحمل رمزية تاريخية أو سياسية حساسة، دون إثارة الانقسام المجتمعي.
أمانة عمّان والاعتبارات الإدارية
رغم الجدل الواسع، لم تصدر أمانة عمّان الكبرى توضيحات مفصلة حول خلفيات القرار، مكتفية بإشارات عامة تتعلق بآليات تسمية الشوارع، وتحديث السجلات، ومراعاة البعد المحلي في اختيار الأسماء.
غير أن غياب الشفافية والتفسير الرسمي المفصل ساهم في تضخيم الجدل، وفتح الباب أمام تفسيرات سياسية وشعبية متعددة، ربطت الخطوة بسياق إقليمي أوسع.
ويرى مراقبون أن إدارة هذا الملف بأسلوب إداري بحت، دون مراعاة الحساسية الرمزية والسياسية، يعكس ضعفاً في تقدير ردود الفعل المجتمعية.
اتهامات بطمس رموز المقاومة
في قلب الجدل، برزت اتهامات مباشرة للسلطات بمحاولة إخفاء أو تهميش كل ما يرتبط بخطاب المقاومة، في سياق يُنظر إليه على أنه استجابة غير مباشرة لمتطلبات التطبيع والضغوط الدولية.
واعتبر ناشطون أن ما جرى يندرج ضمن “سياسة ناعمة” لإعادة تشكيل الوعي العام، عبر تقليص حضور رموز المقاومة في الفضاء الرمزي، مقابل تعزيز خطاب أمني محلي يتجنب الاصطدام بالاحتلال.
ويرى هؤلاء أن هذه السياسة لا تُعلن صراحة، لكنها تُنفذ تدريجياً عبر قرارات إدارية تبدو في ظاهرها محايدة، بينما تحمل في جوهرها أبعاداً سياسية واضحة.
الشارع الأردني بين الهوية الوطنية والانتماء القومي
يعكس هذا الجدل انقساماً أعمق داخل المجتمع الأردني بين من يركز على الهوية الوطنية الضيقة، ومن يرى أن الأردن جزء من فضاء عربي وإسلامي أوسع، لا يمكن فصله عن قضايا التحرر والمقاومة.
ويؤكد محللون أن الأردن تاريخياً حافظ على توازن دقيق بين اعتبارات الداخل ومتطلبات الإقليم، لكن التطورات الأخيرة جعلت هذا التوازن أكثر هشاشة.
كما أن القضية كشفت حساسية ملف الذاكرة الجماعية، وكيف يمكن لقرار صغير ظاهرياً، كاسم شارع، أن يتحول إلى ساحة صراع رمزي وسياسي واسع.
ما وراء اللافتة.. معركة على المعنى والذاكرة
لا يقتصر الجدل حول تغيير اسم شارع عز الدين القسام على مسألة تسمية إدارية، بل يعكس صراعاً أعمق حول معنى الهوية، والموقف من المقاومة، ودور الدولة في صياغة الوعي العام.
فالشارع، في نظر كثيرين، ليس مجرد ممر للسيارات، بل مساحة للذاكرة والتاريخ والرمزية، وأي تغيير في تسميته يُعد رسالة سياسية وثقافية بامتياز.
وفي ظل استمرار الصمت الرسمي، يُرجح أن يبقى الجدل مفتوحاً، مع تصاعد الدعوات لمراجعة القرار، واعتماد معايير شفافة تراعي التوازن بين تكريم الشهداء الأردنيين، والحفاظ على الرموز القومية المرتبطة بتاريخ الأمة وقضاياها المركزية.
اقرأ أيضًا : صراخ داخل القصر ونداء للملكة الراحلة يكشف انهيار مكانة الأمير أندرو