في شهادة تُعد من أخطر ما كُشف عن مجازر دارفور خلال السنوات الأخيرة، كشف الباحث الأميركي ناثانيال رايموند، المدير التنفيذي لمعمل البحوث الإنسانية في جامعة ييل، تفاصيل مرعبة حول الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع—المدعومة إماراتياً—في مدينتي الفاشر والجنينة، والتي ترقى إلى جرائم إبادة جماعية ممنهجة ضد قبائل المساليت والزغاوة.
رايموند، الذي تحدث في ندوة بكلية كينيدي بجامعة هارفارد، سرد تسلسلاً دقيقاً للأحداث يكشف سقوط مدينة الفاشر بيد مليشيا الدعم السريع، وما تبع ذلك من عمليات قتل جماعي وصفها بـ”الكابوس الإنساني”، مؤكداً أن التوثيق الذي وصل إلى فريقه اعتمد على شهادات مباشرة وصور أقمار صناعية عالية الدقة، وتحليلات قدمت للحكومة الأميركية وللأمم المتحدة قبل وقوع المجازر بفترة طويلة.

انهيار الفاشر.. أرقام صادمة خلال ساعات
بدأ الباحث حديثه بوصف اليوم الأول لسقوط الفاشر، مؤكداً أن شبكة المصادر الميدانية التابعة لفريق ييل داخل المدينة أبلغتهم فوراً بمقتل 1200 شخص من الأقارب والمعارف خلال ساعات قليلة فقط. لكن الرقم لم يبق طويلاً، إذ ارتفع سريعاً إلى 10 آلاف قتيل خلال وقت قصير، قبل أن تنقطع الاتصالات تماماً في اليوم التالي، وهو ما يرجح—بحسب رايموند—أن معظم هؤلاء قد أُبيدوا بالكامل.
هذه الأرقام الصاعقة لم تكن تقديرات، بل جاءت من ناشطين ميدانيين فقدوا الاتصال بالعالم، ليبقى مصير عشرات الآلاف مجهولاً، مع توقعات بأن الهجوم كان أكثر دموية مما ظهر في الساعات الأولى.
من الخرطوم إلى دارفور.. كيف استغلت المليشيا انشغال العالم؟
أوضح رايموند أن فريقه تم استدعاؤه في بداية الحرب من قبل الحكومة الأميركية أثناء عملهم في أوكرانيا. ومع انطلاق مفاوضات جدة، كانت مهمتهم إجراء تحليلات يومية للصور الفضائية وتزويد واشنطن والرياض بتقييمات ميدانية.
لكن خلال تلك الفترة—يقول الباحث—كان المجتمع الدولي غارقاً في متابعة القتال داخل الخرطوم، بينما كانت قوات الدعم السريع تنفذ عملية تطهير عرقي واسعة ضد قبيلة المساليت في الجنينة.
الهجوم كان وحشياً ومنظماً، إلى درجة أن الفريق الأميركي كان قادرًا على تتبع خط سير القتل من الفضاء عبر أكوام الجثث التي تركتها المليشيا في الطرقات.
مقتل والي غرب دارفور.. بداية مجزرة جماعية
كشف رايموند أن فريقه كان أول جهة تخطر الحكومة الأميركية بأن والي غرب دارفور خميس أبكر قد قُتل ذبحاً على يد عناصر الدعم السريع، موضحاً أن عملية قتله العلنية أشعلت موجة قتل من منزل إلى منزل، استهدفت خصوصاً الرجال والفتيان من قبائل المساليت.
وعبر صور لم تُنشر حتى الآن، وجد فريق ييل أن متوسط طول جثث الفتيان يبلغ 1.3 متر، بينما بلغ متوسط طول جثث الرجال 2.30 متر، في مشهد يعكس ضخامة عدد الضحايا الذين كانت المليشيا تكدّسهم في الشوارع على امتداد أيام.
كما لاحظ الفريق إشارات حرارية التقطتها أقمار ناسا تدل على احتراق قرية سِربا بالكامل، بعد هجوم للمليشيا استخدمت فيه تكتيك “القنص الجماعي” عبر محاصرة السكان ودفعهم نحو كمائن معدة مسبقاً.
تحذير مسبق من الإبادة.. ولا أحد تحرك
أخطر ما في شهادة الباحث الأميركي أن فريقه أرسل تحذيراً سرياً إلى:
-
البيت الأبيض
-
مجلس الاستخبارات القومي
-
الحكومة الأميركية
-
مجلس الأمن الدولي
يحذرون فيه من أن الفاشر ستكون الهدف التالي، وأن الهجوم سيبدأ نهاية موسم الجفاف 2023–2024.
وعرض الفريق خلاصة تقييمه في جلسة خاصة لمجلس الأمن في يوليو/تموز 2023—أي قبل عامين ونصف من وقوع مذبحة الفاشر في أكتوبر 2025—لكن التحذيرات لم تجد آذاناً صاغية.
حصار أطول من ستالينغراد.. ومجاعة تُعدّ الأسوأ عالمياً
راقب فريق ييل حصار الفاشر على مدار 18 شهراً، وهو—بحسب رايموند—
-
أطول 3.5 مرات من حصار ستالينغراد.
-
أطول من حصار لينينغراد في الحرب العالمية الثانية.
-
وتحت تصنيف مجاعة IPC5 لمدة 15 شهراً، وهو مستوى كارثي يكاد يكون غير مسبوق.
خلال تلك المدة، كانت مليشيا الدعم السريع تمنع دخول الغذاء والدواء، وتستهدف أي رجل أو فتى يُعثر عليه في الطرقات، ما أدى إلى فرار آلاف النساء والأطفال نحو مدينة طويلة التي أصبحت الملاذ الأخير.
“صندوق قتل” بطول 37 كيلومتراً
أحد أكثر ما وثقه الفريق الأميركي رعباً هو قيام قوات الدعم السريع ببناء جدار ترابي بارتفاع 9 أقدام وطول 37 كيلومتراً حول الفاشر، ليصبح السكان محاصرين داخل ما وصفه رايموند بأنه “صندوق قتل” مُصمم خصيصاً لإبادة من تبقى من الزغاوة والمساليت.
وبعد سقوط المدينة كلياً، رصدت الأقمار الصناعية آلاف الجثث بين عشية وضحاها، تظهر بأوضاع منحنية تشبه حروف C أو J أو L، وهو ما يشير إلى سقوط الضحايا فور إطلاق النار عليهم من مسافة قريبة.
كما ظهرت شاحنات مزودة بمدافع ثقيلة، وبقع حمراء ضخمة على الأرض اتضح أنها دماء الضحايا الذين قُتلوا بشكل جماعي.
خلاصة: الدور الإماراتي حاضر في كل مشهد دموي
رغم أن شهادة رايموند ركزت على الجانب التقني والتوثيقي، فإن السياق السياسي والعسكري لا يمكن فصله عن حقيقة أن قوات الدعم السريع تلقّت تمويلاً وتسليحاً واسعاً من دولة الإمارات، عبر ممرات تمتد من ليبيا إلى تشاد والنيجر، وهو ما مكّنها من تنفيذ عمليات الإبادة هذه على نطاق واسع.
وبذلك، فإن الجرائم التي وثقها فريق جامعة ييل ليست مجرد “تجاوزات”، بل هي نتيجة مباشرة لدعم خارجي مكّن المليشيا من امتلاك القوة والغطاء اللازمين لإبادة جماعات سكانية كاملة.
شهادة الباحث الأميركي تضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مُرعبة:
أن الفاشر والجنينة لم تسقطا فقط بسبب وحشية الدعم السريع، بل أيضاً بسبب الدعم السياسي والعسكري الإماراتي الذي جعل من دارفور ساحة لإبادة شعوب كاملة دون رادع.
اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال.. تحقيق CNN يكشف قبورًا بلا شواهد ودفنًا بالجرافات لجثث طالبي المساعدات في غزة