من جديد، تعود مدينة الفاشر إلى صدارة المشهد الإنساني العالمي، وهذه المرة ليس بسبب أخبار الصمود أو الإغاثة، بل بسبب جرائم بشعة ارتكبتها قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات بقيادة محمد بن زايد، كما تشير تقارير متطابقة من منظمات دولية وإقليمية. فقد حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الأحد من “أعمال عنف وحشية أجبرت الآلاف على الفرار من منازلهم”، مؤكدة أن الوضع الإنساني في شمال دارفور يقترب من مرحلة الانهيار الكامل. هذه التحذيرات الأممية تأتي بعد أسبوع من سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة، وسط اتهامات متصاعدة لأبوظبي بلعب دورٍ خفي في تسليح وتمويل تلك الميليشيات.

الفاشر.. من مدينة التاريخ إلى مسرح للدم والمجازر
مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي كانت لعقودٍ مركزًا للتجارة والحياة المدنية في الإقليم، تحولت اليوم إلى مدينة أشباح بعد اجتياح قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. المعارك الدامية التي دارت هناك لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت، وفق شهادات السكان والمنظمات الحقوقية، حملة تطهير عرقي منهجية طالت النساء والأطفال والمرضى في المستشفيات.
المفوضية الأممية حذرت من “أعمال عنف وحشية”، فيما كشفت منظمة الهجرة الدولية عن نزوح أكثر من 71 ألف شخص من الفاشر ومحيطها خلال أسبوع واحد فقط، مشيرة إلى أن معظم الفارين اضطروا إلى السير لمسافات طويلة في طرقٍ محفوفة بالموت والجوع، هربًا من بطش عناصر الدعم السريع.
المنظمات الإنسانية تحدثت عن مشاهد مأساوية في طريق النزوح، وعن جثث تُركت في العراء دون دفن، بعد أن منعت الميليشيات فرق الإغاثة من الوصول. وحتى بعد السيطرة على المدينة، استمرت الانتهاكات على نطاق واسع، وسط صمتٍ من العواصم العربية التي تفضّل النظر إلى الحرب السودانية باعتبارها “صراعًا داخليًا” لا يعنيها، رغم أن أدوات الجريمة تموَّل وتُرسل من أراضيها.
بن زايد.. الممول الخفي وراء فوضى دارفور
تتهم تقارير أممية ودولية الإمارات، بقيادة محمد بن زايد، بأنها الممول الرئيسي لقوات الدعم السريع، حيث أشارت تقارير لصحف غربية مثل فايننشال تايمز ونيويورك تايمز إلى أن أبوظبي أرسلت أسلحة متطورة ومركبات مدرعة عبر تشاد إلى دارفور، في انتهاكٍ صارخٍ لحظر السلاح المفروض على السودان.
الهدف، كما يرى مراقبون، هو تمكين قوات حميدتي من السيطرة على المناطق الغنية بالذهب والحدود مع ليبيا وتشاد، مما يمنح الإمارات نفوذًا استراتيجيًا واقتصاديًا في قلب القارة الإفريقية.
ورغم أن بن زايد يروّج لسياساته الخارجية تحت شعار “مكافحة الإرهاب”، إلا أن الحقيقة على الأرض تقول العكس تمامًا، إذ تحوّلت سياساته في السودان واليمن وليبيا إلى بؤرٍ للفوضى والاقتتال الأهلي، يغذيها المال والسلاح الإماراتي مقابل النفوذ والذهب والنفط.
الأمم المتحدة تحذر من كارثة وشيكة
في بيانها الأخير، قالت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إن “الوضع في الفاشر كارثي”، مشيرة إلى أن “الآلاف بحاجة ماسة إلى المأوى والرعاية والحماية”، فيما حذرت من نقص حاد في الموارد الإنسانية نتيجة استمرار القيود المفروضة على عمل المنظمات الدولية.
وطالبت المفوضية جميع الأطراف، خصوصًا قوات الدعم السريع، بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن وفوري، في وقتٍ أكدت فيه أن “فرقها تقدم مساعدات منقذة للحياة رغم المخاطر ونقص التمويل”.
لكن هذه الدعوات تصطدم بواقعٍ ميدانيٍ قاسٍ: طرق مقطوعة، مناطق ملغمة، ومدن بأكملها تحت قبضة ميليشيات مدعومة من الخارج.
وفي حين يتحدث حميدتي عن “تجاوزات فردية” و”لجان تحقيق”، تبدو الحقيقة أكثر فظاعة؛ فالمجازر التي شهدتها الفاشر تشبه ما حدث سابقًا في الجنينة عام 2023، عندما قُتل أكثر من عشرة آلاف شخص في أقل من شهر، وفق تقارير حقوقية موثقة.
فشل المجتمع الدولي وتواطؤ إقليمي
المشهد السوداني اليوم يعيد إلى الأذهان فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين في رواندا والبوسنة، حيث تُرتكب الجرائم نفسها أمام الكاميرات. ورغم الإدانات المتكررة، فإن غياب أي عقوبات فعلية على داعمي قوات الدعم السريع، وعلى رأسهم محمد بن زايد، يجعل من بيانات الأمم المتحدة مجرد أوراق في الرياح.
فأبوظبي، العضو في مجلس حقوق الإنسان، تستضيف المؤتمرات عن “التسامح”، بينما تُتهم بتمويل أبشع الجرائم في دارفور. وما يزيد المأساة تعقيدًا أن بعض العواصم الغربية تغض الطرف عن هذه الجرائم بسبب مصالحها التجارية والنفطية مع الإمارات.
خاتمة: دارفور تنزف.. والإفلات من العقاب مستمر
اليوم، ومع تزايد أعداد النازحين الذين تجاوزوا 13 مليونًا في عموم السودان، ومع استمرار الانتهاكات في دارفور والفاشر تحديدًا، يبدو أن المأساة لن تتوقف قريبًا ما لم يتحرك المجتمع الدولي بجدية.
المطلوب ليس بيانات جديدة ولا وساطات باردة، بل إرادة حقيقية لكبح نفوذ الإمارات ووقف تدفق السلاح إلى قوات حميدتي. فالمأساة في الفاشر ليست مجرد “حرب داخلية”، بل جريمة دولية برعاية أموال بن زايد، تجري تحت سمع وبصر العالم، بينما تستمر دارفور في النزيف وسط صمتٍ دوليٍ مخزٍ.
اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يتواصل: 40 منظمة إنسانية تتهم إسرائيل بعرقلة دخول المساعدات إلى غزة