في مشهد يعكس تصاعد الانتهاكات بحق المدنيين في السودان، تتزايد الاتهامات الموجهة إلى ميليشيا الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب في ولاية جنوب كردفان، وسط اتهامات مباشرة لدولة الإمارات بتغذية هذا العنف عبر دعمها المستمر للميليشيا. أحدث هذه الجرائم تمثّل في القصف المتعمد لمرافق صحية حيوية في مدينة الدلنج، ما أدى إلى خروج مستشفيات رئيسية عن الخدمة، ومقتل كوادر طبية، بالتوازي مع موجة نزوح جديدة من مدينة كادوقلي عاصمة الولاية.

قصف المستشفيات.. استهداف متعمد للحياة

أعلنت شبكة أطباء السودان، الأحد، خروج ثلاثة مستشفيات رئيسية عن الخدمة في مدينة الدلنج، ومقتل أربعة من الكوادر الطبية، جراء قصف وصفته بـ«المتعمد» نفذته قوات الدعم السريع بالتنسيق مع الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال. واستهدف القصف مركز التأمين الصحي الرئيسي والمستشفى التعليمي، ما أدى إلى توقف أقسام حيوية وتدهور خطير في الوضع الصحي بالمدينة.

وأكدت الشبكة في بيانها أن استهداف المرافق الصحية فاقم معاناة المدنيين، وقلّص بشكل حاد قدرة القطاع الصحي على تقديم الخدمات الأساسية، في ظل استمرار القصف المدفعي الممنهج، ونقص الإمدادات والكوادر الطبية. وأصبح المرضى مضطرين للاعتماد على مرافق محدودة مثل مستشفى الأم بخيتة وبعض المراكز الصحية داخل الأحياء، إضافة إلى فرع التأمين الصحي بجامعة الدلنج، وهي مرافق لا تكفي لتغطية الاحتياجات المتزايدة.

خرق صارخ للقانون الدولي

حمّلت شبكة أطباء السودان الدعم السريع وحركة الحلو المسؤولية الكاملة عن هذه الانتهاكات، معتبرة أنها تمثل خرقًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني الذي يجرّم استهداف المستشفيات والكوادر الطبية. ودعت المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل لحماية المرافق الصحية، وضمان وصول الدعم الطبي واللوجستي دون عوائق، ومحاسبة المتورطين في هذه الجرائم.

نزوح جديد من كادوقلي

بالتوازي مع القصف، أعلنت منظمة الهجرة الدولية نزوح 570 شخصًا من كادوقلي خلال الفترة ما بين 8 و10 يناير/كانون الثاني، نتيجة تفاقم انعدام الأمن. وتوجه النازحون إلى مناطق بولاية النيل الأبيض، في ظل أوضاع وصفتها المنظمة بأنها «متوترة ومتقلبة».

وكانت المنظمة قد أعلنت في وقت سابق ارتفاع عدد النازحين في ولايات كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب) إلى نحو 64 ألفًا و890 نازحًا، خلال الفترة الممتدة من أواخر أكتوبر وحتى نهاية ديسمبر 2025، نتيجة الاشتباكات المتواصلة بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع.

الإمارات.. الراعي الخفي للدمار

رغم أن القصف يُنفذ بأيدٍ محلية، إلا أن الاتهامات الحقوقية والسياسية تشير بوضوح إلى دور الإمارات العربية المتحدة في دعم ميليشيا الدعم السريع، عبر التمويل والتسليح والدعم اللوجستي، ما مكّنها من استخدام أسلحة ثقيلة ضد مناطق مأهولة بالسكان. ويصف مراقبون هذا الدور بأنه «جريمة بالوكالة»، تسمح لأبوظبي بالتأثير الميداني دون تحمل المسؤولية المباشرة، بينما يدفع المدنيون الثمن.

ويُنظر إلى استهداف المستشفيات ضمن استراتيجية أوسع لتفريغ المدن من سكانها، وكسر صمود المجتمعات المحلية عبر ضرب الخدمات الأساسية، وهي سياسة سبق رصدها في دارفور ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة الدعم السريع.

تحركات عسكرية واتساع رقعة الحرب

ميدانيًا، قال مصدر عسكري إن الجيش السوداني قصف مواقع للدعم السريع في بلدة يابوس قرب الحدود الإثيوبية بولاية النيل الأزرق، وشن غارات جوية على مواقع للميليشيا في محيط جبل أبوسنون بولاية شمال كردفان، عقب انسحاب الجيش إلى مدينة الأبيض. وتعكس هذه التطورات اتساع رقعة المواجهات وتزايد المخاطر على المدنيين.

كارثة إنسانية بلا أفق

تسيطر ميليشيا الدعم السريع على مراكز ولايات دارفور الخمس، بينما يسيطر الجيش على أغلب الولايات الأخرى، بما فيها الخرطوم. ومع استمرار استهداف البنية التحتية والخدمات الصحية، تتعمق الأزمة الإنسانية، في ظل صمت دولي يرقى—بحسب ناشطين—إلى التواطؤ.

وبينما تتزايد أعداد الضحايا والنازحين في جنوب كردفان، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى يستمر المجتمع الدولي في غضّ الطرف عن جرائم تُرتكب بالوكالة، وتُدفع كلفتها من دماء السودانيين؟

اقرأ أيضًا : ارتفاع وفيات البرد في مخيمات غزة إلى 21.. أطفال ضحايا إجرام الاحتلال