في مشهد يعكس تصاعد سياسات القتل الممنهج ضد الفلسطينيين داخل أراضي 1948، استشهد فجر اليوم الشاب محمد حسين الترابين (35 عامًا) برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في قرية ترابين الصانع البدوية بمنطقة النقب، بعد أن أطلقت عليه النار من مسافة قريبة، وفق ما أفادت به مصادر محلية.
الجريمة لم تقف عند حدود القتل الميداني، بل سرعان ما تحولت إلى واقعة سياسية وأمنية مكتملة الأركان، بعد أن خرج وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال، المتطرف إيتمار بن غفير، ليشيد بقتل الشاب ويمنح الغطاء العلني للعناصر التي أطلقت النار.
![]()
قتل ميداني تحت غطاء أمني
بحسب شهادات من أهالي القرية، أقدمت قوة من شرطة الاحتلال على إطلاق النار بشكل مباشر على الشاب الترابين خلال اقتحام القرية، ما أدى إلى استشهاده في المكان. ولم ترد أي معلومات تشير إلى وجود خطر حقيقي يهدد حياة عناصر القوة، ما يعزز الرواية الفلسطينية التي تعتبر الحادثة إعدامًا ميدانيًا بدم بارد، في سياق سياسة متكررة تستهدف فلسطينيي الداخل تحت ذرائع “أمنية” فضفاضة.
اللافت أن الجريمة جاءت في ظل حصار مشدد تعيشه قرية ترابين الصانع منذ نحو أسبوعين، حيث أغلقت قوات الاحتلال مداخلها بالمكعبات الإسمنتية، ومنعت الحركة الطبيعية للسكان، في محاولة لفرض السيطرة الكاملة على المنطقة، ضمن سياسة أوسع تستهدف القرى البدوية في النقب.
بن غفير.. التحريض يتحول إلى سياسة رسمية
لم تمض ساعات على استشهاد الترابين، حتى خرج بن غفير بتصريحات اعتبر فيها أن “من يعرّض الشرطة للخطر يجب تحييده”، في تبرير مباشر لعملية القتل. هذه اللغة، التي باتت مألوفة في خطاب الوزير المتطرف، لا تعكس فقط موقفًا شخصيًا، بل تكشف عن تحول التحريض إلى سياسة رسمية تمنح عناصر الشرطة والجيش ضوءًا أخضر لإطلاق النار دون محاسبة.
تصريحات بن غفير لا يمكن فصلها عن سجله الحافل بالتحريض ضد الفلسطينيين، ولا عن دوره في عسكرة الشرطة الإسرائيلية وتحويلها إلى أداة قمع سياسي، خاصة داخل أراضي 1948. فبدل أن يكون مسؤولًا عن “الأمن العام”، بات رأس حربة في مشروع إخضاع الفلسطينيين بالقوة، وتكريس معادلة: الرصاص أولًا، ثم تبرير الجريمة لاحقًا.
قرية تحت الحصار والاقتحام المتكرر
قرية ترابين الصانع ليست استثناءً في خارطة الاستهداف. فمنذ نحو أسبوعين، تتعرض لحصار خانق واقتحامات متكررة، كان آخرها مسيرات احتجاجية خرج بها الأهالي رفضًا للإغلاق والحصار والاعتداءات المتواصلة. وقد اقتحم بن غفير نفسه القرية ثلاث مرات خلال الأسبوع الماضي، في استعراض استفزازي للقوة، حمل رسائل واضحة بأن النقب بات ساحة اختبار لسياسات القمع الجديدة.
هذه الاقتحامات لا تنفصل عن مخططات أوسع لتهجير الفلسطينيين البدو من أراضيهم، ومصادرة الأرض لصالح مشاريع استيطانية، تحت مسميات “فرض النظام” و”مكافحة الجريمة”، بينما الواقع يشير إلى تجريم الوجود الفلسطيني ذاته.
فلسطينيّو الداخل في مرمى الاستهداف
حادثة استشهاد محمد الترابين تندرج ضمن سلسلة طويلة من الجرائم التي تطال فلسطينيي الداخل، والذين يواجهون تمييزًا بنيويًا مزدوجًا: من جهة الإهمال المتعمد في مواجهة الجريمة المنظمة داخل بلداتهم، ومن جهة أخرى الاستخدام المفرط للقوة عندما يتعلق الأمر بأي احتجاج أو رفض للسياسات الإسرائيلية.
في السنوات الأخيرة، تصاعدت عمليات القتل على يد الشرطة الإسرائيلية بحق فلسطينيي 48، وسط غياب شبه تام للمحاسبة، ما خلق شعورًا عامًا بأن حياة الفلسطيني أقل قيمة في نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وأن الرصاص هو اللغة الأولى والأخيرة في التعامل معه.
جريمة سياسية بامتياز
ما جرى في ترابين الصانع ليس “حادثًا أمنيًا” معزولًا، بل جريمة سياسية مكتملة، تبدأ بالحصار وتنتهي بالرصاص، وتتوسطها تصريحات تحريضية من أعلى المستويات الحكومية. إشادة بن غفير بالقتل ليست زلة لسان، بل إعلان صريح عن عقيدة حكم ترى في القتل أداة للردع، وفي الدم الفلسطيني وسيلة لترسيخ السيطرة.
في النقب، كما في القدس والضفة وغزة، تتكشف يومًا بعد يوم حقيقة المشروع الإسرائيلي القائم على القوة العارية، وتغيب العدالة تحت ظل السلاح. استشهاد محمد الترابين يضاف إلى سجل طويل من الجرائم، ويطرح سؤالًا مفتوحًا: إلى متى يستمر هذا الإفلات من العقاب، وأي مستقبل ينتظر فلسطينيي الداخل في ظل حكومة تشرعن القتل وتكافئه؟
اقرأ أيضًا : الغيظة تعود إلى الحكومة… ورسائل ما بعد انسحاب ميليشيا الإمارات