عاد التوتر إلى جزيرة الوراق النيلية، بعدما تجمّع العشرات من الأهالي أمام معدية الجزيرة، مطالبين بالإفراج عن 11 شابًا من المعتقلين، ألقي القبض عليهم على خلفية الاحتجاجات الأخيرة ضد مشروع الإخلاء القسري، الذي تنفّذه السلطات المصرية منذ عام 2017 ضمن ما يُعرف بمخطط “تطوير الجزر النيلية”.
الاحتجاجات اندلعت بعد محاولة منع دخول مواد بناء إلى الجزيرة، وهو ما قوبل برد أمني عنيف، تخلله اشتباكات واعتقالات عشوائية، طالت حتى أشخاصًا لا يقيمون على الجزيرة، في مشهد يتكرر منذ أعوام تحت غطاء “المصلحة العامة”، لكنه في الواقع يخفي مشروعًا استثماريًا ضخمًا تشارك فيه أطراف إماراتية.
1. مشروع “حورس”.. الوجه الاقتصادي لسياسات التهجير
جزيرة الوراق، التي تقع على تقاطع جغرافي حيوي بين القاهرة والجيزة والقليوبية، تمتد على مساحة تقارب 1800 فدان، ما يجعلها واحدة من أكثر المواقع الجغرافية جذبًا للاستثمار العقاري والسياحي.
وفي ظل رؤية “القاهرة 2050″، أعدت هيئة التخطيط العمراني خطة لتحويل الوراق إلى “مدينة حورس”، مدينة فاخرة تضم ناطحات سحاب ومراكز تجارية وسياحية، على أنقاض مجتمع فلاحي قائم منذ عشرات السنين.
وبينما يتم الترويج لهذا المشروع على أنه نقلة حضارية، فإنه يعتمد على الإخلاء القسري للسكان، والاستحواذ على الأراضي بالإكراه، في سياق يغيب فيه أي حوار حقيقي مع المجتمع المحلي، أو ضمانات للحقوق.
2. دور المستثمر الإماراتي: “شركة إمكان” وأطماع أبوظبي في النيل
في قلب هذا المشروع تقف “شركة إمكان العقارية” الإماراتية، وهي إحدى أذرع مجموعة أبوظبي القابضة (ADQ)، وتعد أبرز الشركاء الأجانب في مشروع تطوير الجزيرة.
وفقًا لتقارير استقصائية، أبرمت إمكان اتفاقات مباشرة مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وظهرت في وثائق شراكة علنية كمطور رئيسي لمشروع “مدينة حورس”، في وقت لم يتم فيه الإعلان عن أي تعويض عادل أو بديل حقيقي لسكان الجزيرة.
ويأتي دخول المستثمر الإماراتي في الوراق ضمن استراتيجية أوسع لأبوظبي لشراء مواقع استراتيجية في مصر، تشمل موانئ، أراضٍ زراعية، وأصولًا عمرانية، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها القاهرة.
لكن في الوراق، الصفقة كانت على حساب السكان المحليين، حيث تم الاستحواذ على ما يزيد عن 71% من أراضي الجزيرة بالإكراه، بحسب تقارير حقوقية، وسط رفض الأهالي بيع أراضيهم للمستثمر الأجنبي.
3. القمع الأمني.. من أجل السوق العقاري
منذ 2017، لم يكن مشروع “تطوير الوراق” سوى واجهة لعمليات قمع وتهجير، بدأت بمحاولة اقتحام أمنية أدت إلى مقتل أحد السكان وجرح العشرات، ثم توالت الاقتحامات والمحاكمات والتضييق الأمني، الذي وصل إلى منع إدخال مواد البناء، وفرض حصار على المواصلات والمرافق.
اللافت أن التهم الجاهزة دائمًا هي “الانضمام إلى جماعة إرهابية”، وهي تُستخدم لتجريم الاحتجاجات الشعبية، ومنع أي معارضة مدنية للمشروع العقاري الإماراتي.
4. البعد الاجتماعي: الوراق ليست أرضًا فقط.. بل مجتمع متجذر
يقدّر عدد سكان الجزيرة بنحو 100 ألف نسمة، غالبيتهم يعملون في الزراعة والصيد. المشروع الاستثماري لم يعرض عليهم بدائل عادلة، ولا آليات مشاركة في التنمية.
الأهالي لا يرفضون التطوير، بل يرفضون أن يكونوا ضحايا له، خاصة حين يتم إقصاؤهم قسرًا لصالح ناطحات سحاب إماراتية، لا علاقة لها بثقافة المكان أو طبيعة سكانه.
عندما تتحول التنمية إلى تهجير مغلف بالاستثمار
قضية جزيرة الوراق تمثل نموذجًا صارخًا لما يسمى بـ”الاستثمار العدواني”، حيث تتقاطع أطماع رأس المال الأجنبي، خصوصًا الإماراتي، مع أجهزة أمنية تقمع السكان المحليين نيابة عن المستثمرين.
المشروع الإماراتي لا يستند فقط إلى المال، بل أيضًا إلى علاقات سياسية متشابكة تدفع الدولة المصرية نحو بيع الأصول مقابل تدفقات مالية قصيرة الأجل، دون اعتبار لتكلفة العدالة الاجتماعية أو حقوق السكان.
والنتيجة: مجتمع محاصر، أرض تُسلَب، وصوت يُقمع، باسم “التطوير” الذي لا يخدم إلا رأس المال المعولم.