بعد مرور نحو عشرين شهراً على بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بدأت أصوات تحذيرية تتصاعد من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها، مشيرة إلى أن استمرار الحرب بهذا الشكل يحوّلها من حملة عسكرية إلى “حرب استنزاف” بلا نهاية واضحة.
فالاحتلال الذي يتفاخر بما يسميه “إنجازات كبيرة” ضد إيران، يجد نفسه عاجزًا عن إنهاء الوضع في غزة لصالحه، في ظل مقاومة شرسة، وخسائر بشرية متكررة، وتعقيد ميداني غير مسبوق.
الخبير الأمني كوبي ماروم، القائد السابق في لواء “غولاني” وفرقة “حيرام”، أطلق في مقال له على القناة 12 العبرية صيحة تحذير قائلًا إن “الإنجازات في إيران تتلاشى في الواقع الدموي على أرض غزة”، خاصة بعد مقتل سبعة جنود في كمين في خانيونس، وهو ما وصفه بـ”الكارثة الكبرى” التي أعادت الجيش إلى حقيقة الحرب بعيدًا عن خطاب الإنجاز.
ماروم لم يكن يتحدث فقط عن حادث ميداني بل عن أزمة شاملة: أزمة استراتيجية، ومعنوية، وعملياتية. فالجيش الإسرائيلي يخوض حرب عصابات داخل بيئة حضرية معقدة، يواجه فيها قناصة، وعبوات ناسفة، وصواريخ موجهة، ومقاتلين يظهرون ويختفون عبر شبكة أنفاق هائلة. وهي حرب لا تقود إلى “تحرير رهائن”، بل تزيد من تعريضهم للخطر، وفق تعبيره.

الحاجة إلى قرار شجاع
في تحليله، دعا ماروم إلى “قرار استراتيجي شجاع” من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإنهاء الحرب، مستندًا إلى منطق استراتيجي يقوم على أن “الفرصة السياسية والعسكرية الحالية مواتية أكثر من أي وقت مضى لعقد صفقة تبادل رهائن وإنهاء الحرب”، خاصة في ظل النجاحات التي تدعي إسرائيل أنها حققتها ضد المشروع النووي الإيراني، والتعاون الأميركي معها في بناء محور إقليمي ضد طهران.
اللافت في طرح ماروم هو التناقض الذي يكشفه بين الواقع الميداني في غزة وبين أوهام الاحتلال بالسيطرة والردع. فرغم الادعاءات الإسرائيلية بتدمير البنية العسكرية لحماس، تعود الحركة لتضرب بقوة، وتكبد الجيش خسائر قاسية. كما يُظهر حديثه اعترافًا ضمنيًا بفشل خيار الحسم العسكري وضرورة الانتقال إلى مسار سياسي تفاوضي يحقق أهدافًا واقعية.
ماروم يقترح حلاً مركبًا: إنهاء الحرب، عقد صفقة رهائن، السماح بدخول قوة عربية متعددة الجنسيات إلى غزة، إقامة حكومة تكنوقراط مؤقتة، وضمان حرية العمل الأمني للجيش الإسرائيلي داخل القطاع. وهو ما يكشف أن الاحتلال لا يسعى إلى السلام أو تسليم السلطة لحكومة فلسطينية حقيقية، بل يريد “هدنة مشروطة” تُمكّنه من ترتيب صفوفه استعدادًا لحروب قادمة.
الضغوط الأميركية وصمود الفلسطينيين
المفارقة أن ماروم يرى أن الوقت مناسب لإنهاء الحرب ليس فقط من أجل الجيش بل أيضًا لتحقيق اختراق دبلوماسي في المنطقة. فهو يربط نهاية الحرب في غزة بتحقيق اتفاق تطبيع مع السعودية، وتوسيع “اتفاقات أبراهام” لتشمل دولًا مثل لبنان وسوريا، في إطار بناء جبهة إقليمية ضد إيران، بتنسيق مع الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يظهر الدور المتجدد للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يسعى، وفق رؤية ماروم، لإرساء نظام جديد في الشرق الأوسط يقوم على ترويض الدول العربية لصالح الاحتلال. ويبدو أن الاحتلال يدرك أن استمرار الحرب في غزة يعقّد مسارات التطبيع ويضعف حججه أمام الدول التي تراقب عن كثب مشاهد المجازر، وخصوصًا تلك التي تخلّفها إسرائيل يوميًا بحق المدنيين الفلسطينيين.
اللافت أيضًا أن ماروم، الذي يمثل تيارًا من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، يتحدث عن “حرب عصابات تخوضها حماس من أجل البقاء”، بينما تتحدث الوقائع عن مقاومة فلسطينية منظمة، نجحت في إدارة الصراع بمرونة وتكتيك عسكري متطور، رغم الحصار والإبادة والدمار.
إن استمرار هذه المقاومة، وصمود المجتمع الفلسطيني، هما في الحقيقة ما يدفع الاحتلال إلى “اليأس الاستراتيجي”، بحسب تعبير عدد من المحللين.
خاتمة: غزة تنهك إسرائيل رغم جبروتها
تكشف التحذيرات الإسرائيلية أن الكيان المحتل لا يخوض حربًا تقليدية، بل معركة استنزاف طويلة الأمد مع شعب مصمم على الصمود، وحركة مقاومة تزداد خبرة وقوة مع كل يوم.
ومع أن الاحتلال يحاول الاستفادة من تطورات المواجهة مع إيران لتحسين وضعه الاستراتيجي، فإن فشله في غزة يضعه أمام معضلة وجودية: هل يمكن لدولة استعمارية أن تربح معركة ضد شعب محاصر لكنه مصمم على التحرر؟
في نهاية المطاف، يدفع الاحتلال “أثمانًا باهظة” ليس فقط بالجنود والعتاد، بل أيضًا بالشرعية، والدعم الدولي، والروح المعنوية لمجتمعه. وحين تتحدث النخب العسكرية عن “التفكير بإنهاء الحرب”، فإن ما تقوله فعليًا هو أن الكيان قد خسر رهانه على الحسم العسكري، وأن غزة، الصغيرة والمحاصرة، استطاعت أن تفرض شروطها على واحدة من أعتى الجيوش في المنطقة.
اقرأ أيضًا :دنائة الاحتلال تتجاوز القتل: غزة توثق العثور على أقراص مخدرة داخل أكياس طحين المساعدات