المخطط أكبر مما يُعلن

في تصريح جريء، وضع الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط النقاط على الحروف عندما حذر من المخطط الصهيوني لاستغلال الدروز وتحويلهم إلى أداة لمشاريع إسرائيل في المنطقة. جنبلاط أعلن صراحة أن موفق طريف، زعيم الدروز في فلسطين المحتلة، لا يمثل الطائفة الدرزية، بل يعمل ضمن أجندة إسرائيلية بحتة، وهو ما كشف بشكل واضح حجم التغلغل الصهيوني في شؤون الطائفة، ليس فقط في فلسطين المحتلة، بل أيضًا في سوريا ولبنان.

لم يكن تصريح جنبلاط مجرد تحليل سياسي، بل هو تحذير صريح من مخطط تمتد خيوطه من تل أبيب إلى أبوظبي، مرورًا بجرمانا والسويداء، حيث تسعى الصهيونية، بدعم إماراتي، إلى خلق ميليشيا درزية مسلحة تحظى بحماية إسرائيلية، في انتظار اللحظة المناسبة للانفصال عن سوريا، تمامًا كما فعلت إسرائيل مع الميليشيات العميلة لها في جنوب لبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

التحالف الصهيوني الإماراتي.. كيف يتم استخدام الدروز كأداة؟

التفاصيل تشير إلى أن موفق طريف لم يتحرك منفردًا، بل كان جزءًا من اجتماعه مع محمد بن زايد في أبوظبي بتاريخ 7 ديسمبر 2024. في هذا اللقاء، تم الاتفاق على إبقاء الدروز في السويداء وجرمانا كقوة مسلحة مستقلة، تحت الحماية الإسرائيلية، بانتظار اللحظة المناسبة لإعلان كيان منفصل.

هذا المخطط ليس مجرد تكهنات، بل هو امتداد لسياسة صهيونية واضحة تتكرر في كل المناطق التي تسعى إسرائيل إلى تقسيمها. فمنذ عقود، كان للدروز في إسرائيل وضع خاص، حيث تم تجنيدهم في الجيش الصهيوني وإقحامهم في معارك ضد الفلسطينيين، مما خلق فجوة كبيرة بينهم وبين محيطهم العربي. واليوم، يبدو أن إسرائيل تحاول إعادة إنتاج هذا السيناريو في جبل العرب، عبر تحويل الدروز إلى “عبيد حراسة حدود” وظيفتهم حماية المصالح الإسرائيلية في الجنوب السوري، وضمان بقاء المنطقة تحت سيطرتها غير المباشرة.

وئام وهاب.. شريكًا في المخطط؟

الزعيم الدرزي اللبناني وئام وهاب على علم بهذا المخطط، ويتبنى رؤية موفق طريف بكل وقاحة تحت غطاء “حماية أبناء الطائفة”. ومن المعروف أن وهاب يتمتع بعلاقات قوية مع الإمارات، وقد سبق أن تبنى مواقف داعمة للدور الإماراتي في لبنان وسوريا. فهل باتت الطائفة الدرزية اليوم رهينة تحالفات مشبوهة تُرسم في أبوظبي وتل أبيب؟

وئام وهاب يبرر في كل حديث إعلامي أن مشروع موفق طريف هو مجرد “حماية لأبناء الطائفة”، فهل يمكنه أن يبرر مخطط التقسيم الذي تسعى إليه أبوظبي وتل أبيب؟

الدروز في مفترق طرق.. إما الوطن أو العمالة للصهاينة

السؤال المطروح اليوم: هل يعي الدروز حجم المخطط الذي يُحاك لهم؟ وهل يدركون أنهم قد يصبحون وقودًا لمشروع صهيوني جديد يهدف إلى تقسيم سوريا وإبقاء المنطقة في حالة فوضى دائمة؟

اليوم، هناك محاولات حثيثة لجر الدروز إلى معسكر الاحتلال، وإقناعهم بأن مستقبلهم لا يمكن أن يكون داخل أوطانهم، بل تحت حماية إسرائيل.

هذا الطرح ليس فقط خيانة للوطن، بل هو انتحار سياسي. لأن من يراهن على إسرائيل، كما أثبت التاريخ، لن يكون أكثر من أداة تُستخدم لفترة ثم يتم التخلص منها عندما تنتهي الحاجة إليها. هذا ما حدث مع الميليشيات العميلة التي دعمتها إسرائيل في جنوب لبنان، والتي تخلت عنها تل أبيب بمجرد انسحابها من المنطقة عام 2000.

ما هو موقف الدولة السورية من هذه المؤامرة؟

الحكومة السورية الجديدة، التي تحاول إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات الحرب والفوضى، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍ خطير يتعلق بوحدة البلاد. فبعد فشل مشاريع التقسيم الكردية، يبدو أن الإمارات وإسرائيل انتقلتا إلى اللعب على ورقة الدروز، عبر خلق ميليشيا مسلحة قد تكون نواةً لكيان انفصالي في المستقبل.

التعامل مع هذا التحدي يتطلب استراتيجية حكيمة، تجمع بين الحزم والاحتواء. فالدروز الذين بقوا في حضن الوطن، ويرفضون الانخراط في هذا المشروع المشبوه، يجب أن يكونوا جزءًا من أي حل سياسي مستقبلي، ويجب على الدولة أن تتواصل معهم لضمان عدم وقوعهم في الفخ الصهيوني. أما من يختار الولاء لإسرائيل على حساب وطنه، فإن مكانه الطبيعي يجب أن يكون خارج المعادلة الوطنية.

هل يختار الدروز الوطن أم المشروع الصهيوني؟

الأحداث تتسارع، والمخططات الصهيونية-الإماراتية أصبحت مكشوفة، ولم يعد هناك مجال للمناورة أو اللعب على الحبال. الدروز اليوم أمام اختبار مصيري: إما أن يكونوا جزءًا من سوريا الموحدة، أو أن يصبحوا أداة في يد الصهيونية، ليجدوا أنفسهم بعد سنوات مجرد مرتزقة في مشروع تقسيم المنطقة، دون هوية وطنية حقيقية، تمامًا كما حدث لدروز فلسطين المحتلة.

القرار في يدهم، لكن الفرصة لن تبقى متاحة للأبد. إما أن ينحازوا إلى وطنهم قبل فوات الأوان، أو أن يجدوا أنفسهم في مواجهة شعبهم في معركة خاسرة لا محالة.