كشف التقرير النهائي لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا لعام 2026، عن معطيات صادمة توثق تحول الأراضي الليبية إلى شريان حياة لوجستي وعسكري رئيسي لميليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات (الجنجويد). التقرير الصادر تحت الرقم (S/2026/224) يرسم خريطة دقيقة لكيفية استغلال الفراغ الأمني في الجنوب الليبي لإشعال الحرب في السودان، مؤكداً أن هذا الدعم تجاوز مجرد التسهيلات العابرة ليصل إلى مرحلة “التحالف العملياتي الكامل” تحت غطاء قوى الأمر الواقع في شرق ليبيا.

إعادة هيكلة الجنوب: سيطرة آل حفتر لتأمين خطوط الميليشيا

يوضح التقرير الأممي أن الفترة ما بين يناير 2025 ويناير 2026 شهدت عملية إعادة هيكلة واسعة لشبكات التهريب في جنوب ليبيا. بدأت هذه المرحلة بإقالة “حسن الزدمة” وحل لوائه، ليتولى “صدام حفتر” السيطرة المباشرة على المناطق الحدودية ومسارات التهريب. هذا التحول لم يكن إدارياً فحسب، بل كان يهدف لضمان أن تظل “المناطق المدرة للإيرادات” وخطوط الإمداد العسكرية تحت إشراف مباشر من عائلة حفتر.

لقد برزت “كتيبة سبل السلام” بقيادة عبد الرحمن هاشم الكيلاني كلاعب محوري في هذا المخطط، حيث أحكمت قبضتها على منطقة الكفرة الاستراتيجية. ويجزم الخبراء الأمميون بأن سيطرة هذه الكتيبة على سلاسل الإمداد المتجهة إلى ميليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات ما كان لها أن تتحقق دون موافقة ضمنية، في أدنى تقدير، من القوات المسلحة العربية الليبية التي يقودها آل حفتر.

سلسلة إمداد متكاملة: من بنغازي إلى جبهات القتال بالسودان

يوثق التقرير تدفقاً عسكرياً ضخماً يمر عبر الموانئ والمطارات الليبية؛ حيث تم استيراد أكثر من 2500 شاحنة “تويوتا لاند كروزر” عبر بنغازي خلال عام 2025 وحده. هذه المركبات، التي تُصنف كأدوات ذات استخدام مزدوج، لم تكن لأغراض مدنية، بل نُقلت إلى منشأة عسكرية في “الكويفية” ثم إلى الكفرة حيث جرى تسليحها وتجهيزها بالكامل قبل تصديرها لميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتياً لاستخدامها في العمليات القتالية داخل السودان.

ولم يتوقف الأمر عند العتاد، بل تحولت الكفرة وقاعدة “معطن السارة” الجوية إلى نقاط عبور للمقاتلين الأجانب، بما في ذلك مرتزقة من كولومبيا تم رصد مرورهم لدعم ميليشيا الدعم السريع، مما يؤكد تدويل الصراع واستخدام ليبيا كقاعدة انطلاق تكتيكية وعملياتية.

تداخل الخنادق: قتال مباشر وتنسيق ميداني

تجاوز دور “كتيبة سبل السلام” مجرد التأمين اللوجستي؛ إذ أكد التقرير مشاركتها الفعلية في العمليات القتالية بجانب ميليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات. في يونيو 2025، قامت الكتيبة بنشر وحدات على الأرض ومرافقة مقاتلي الميليشيا عبر الأراضي الليبية، مما مكن ميليشيا الدعم السريع من التقدم والسيطرة على منطقة “العوينات”.

هذا التداخل الميداني أدى إلى نقل ساحة المعركة السودانية إلى داخل التراب الليبي، حيث رصد الفريق الأممي اشتباكات مسلحة بين الأطراف السودانية المتنازعة على الأراضي الليبية في يونيو ونوفمبر 2025، مما دفع القوات المسلحة السودانية لتنفيذ ضربات جوية داخل ليبيا استهدفت قوافل الميليشيا وسلاسل إمدادها.

خطر إقليمي: تلاقي الميليشيا مع تنظيمات إرهابية

من أخطر ما كشف عنه التقرير هو نشوء “اقتصاد حرب” عابر للحدود يربط بين النزاع في السودان وشبكات الإرهاب في الساحل الإفريقي. فقد وثق الخبراء حالات تم فيها تحويل أسلحة وذخائر كانت مخصصة في الأصل لميليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات، ليتم إعادة بيعها لمهرّبي ذهب في النيجر مرتبطين بتنظيم “داعش”.

هذا “التسرب” للأسلحة يثبت أن الدعم العسكري الموجه لميليشيا الدعم السريع لا يهدد استقرار السودان فحسب، بل يغذي الجماعات الإرهابية في المنطقة، محولاً جنوب ليبيا إلى بيئة حاضنة للجريمة المنظمة وتمويل الإرهاب، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية مواجهة هذه الشبكات التي تتغذى على الفوضى الليبية لدعم طموحات ميليشيا الدعم السريع الإجرامية.

الخلاصة: شرعنة الميليشيا تحت ستار أمني

ينتهي التقرير بالإشارة إلى محاولات القوات المسلحة العربية الليبية (آل حفتر) لتقديم نفسها كـ “نظير للدولة” عبر إبرام اتفاقيات أمنية مع دول الجوار لتأمين الحدود، بينما هي في الواقع تستخدم وكلاءها مثل “كتيبة سبل السلام” لضمان استمرار تدفق الأسلحة والمقاتلين لميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتياً. إن هذا المشهد يعكس استراتيجية ممنهجة لزعزعة استقرار السودان عبر استنزاف المقدرات الليبية وتوظيفها لصالح مليشيا عابرة للحدود.

اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟