فيما تشتعل النيران في أحراش دولة الاحتلال من القدس إلى تل أبيب وصولاً إلى الأغوار، تشتعل بالموازاة أزمة سياسية داخلية تكشف هشاشة المنظومة الأمنية وتناقضاتها، وسط تبادل للاتهامات بين الجيش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. 

هذه الحرائق التي لا تزال نشطة في تسع بؤر، وتسببت بإخلاء عشر بلدات، كشفت عن إخفاقات في التنسيق، وسوء إدارة، وأعادت إلى الواجهة فوضى اتخاذ القرار في أوقات الكوارث.

أزمة حرائق غير مسبوقة

اندلعت الحرائق بفعل موجة حر ورياح عاتية اجتاحت المناطق الحرجية، ما أدى إلى اتساع رقعتها لتشمل أجزاء واسعة من “غابة إشتاؤول”، “منتزه كندا”، و”غابة شوريش” غرب القدس، ووصلت إلى ضواحي تل أبيب، وأحدثت حالة من الذعر بين المستوطنين، مع إصابة نحو 20 شخصًا نتيجة الاختناق، بينهم 12 من طواقم الإطفاء.

وبحسب الصندوق القومي اليهودي، فإن النيران التهمت قرابة 20 ألف دونم من الغابات والمزارع وحقول القمح، إلى جانب عشرات السيارات التي احترقت على الطرق السريعة. وفي مشهد درامي، اضطر المستوطنون إلى ترك سياراتهم والفرار سيرًا على الأقدام، ما استدعى تدخل قوات الإنقاذ للبحث عن العالقين.

وأخلت سلطات الاحتلال مستشفى “إيتانيم” للأمراض النفسية، كما تم إخلاء مراكز لرعاية المسنين وتأهيل المدمنين. وزارة الصحة بدورها أعلنت استعدادها لإخلاء مستشفى “هداسا عين كارم”، إذا ما اقتربت النيران أكثر.

لكن الأخطر أن الحرائق تزامنت مع انشغال الاحتلال بحرب إبادة على قطاع غزة، ما أثار تساؤلات حول جاهزية الجبهة الداخلية، وقدرة السلطات على التعامل مع الكوارث الطبيعية في ظل تفكك سياسي واضح.

صراع الصلاحيات: بن غفير في مواجهة الجيش

وبينما تحاول طواقم الإطفاء إخماد النيران باستخدام طائرات “شمشون” وطائرات “سوبر هركوليس”، برز إلى السطح خلاف علني بين الجيش وبن غفير. ففي الوقت الذي أعلن فيه الأخير أنه أصدر تعليمات بتفعيل الطائرات للمشاركة في جهود الإطفاء، اتهمه سلاح الجو بالكذب، مؤكدًا أنهم بادروا بعرض المساعدة، لكن “مفوضية الإطفاء رفضت لأسباب تتعلق بالتكلفة المالية”.

تصريحات بن غفير لم تمر مرور الكرام، حيث وصفها الجيش بـ”غير المسؤولة”، فيما انتقد المدير العام السابق لوزارة الأمن القومي، تومر لوتان، الوزير المتطرف محمّلاً إياه مسؤولية تدهور جاهزية الإطفاء. وأشار لوتان إلى أن بن غفير عرقل سابقًا توصيات بشراء مروحيات بلاك هوك لاستخدامها في مهام مكافحة الحرائق.

أبعد من ذلك، وصل التراشق الإعلامي إلى حد اتهام غير مباشر من نجل نتنياهو لليسار بالوقوف خلف الحرائق، قائلاً عبر منصة “إكس”: “أتمنى أن يكون إشعال النيران من طرف العرب فقط، لا بمساعدة من داخل شعبنا”، ملمحًا إلى وجود مؤامرة لإفشال احتفالات ما يسمى “يوم الاستقلال”.

أما بن غفير فذهب في اتجاه آخر، مدعيًا أن الحرائق “قد تكون مفتعلة”، وهو ما نفاه مسؤولون أمنيون، مؤكدين أن “الحديث عن إشعال متعمد لا يزال مبكرًا”. من جهته، أعلن جهاز الشاباك مشاركته في التحقيق لمعرفة خلفيات الحادثة، ما يكشف أن الأوساط الأمنية تأخذ فرضية العمل المتعمد على محمل الجد، ولو بحذر.

العجز يتعمق.. ومناشدات دولية للمساعدة

في ظل اشتداد الرياح وصعوبة السيطرة على النيران، لجأ الاحتلال إلى طلب المساعدة من عدة دول، بينها فرنسا، التي أعلنت إرسال طائرة إطفاء، إلى جانب إسبانيا، كرواتيا، رومانيا، وإيطاليا. كما توجه وزير الخارجية جدعون ساعر إلى بريطانيا والسويد والأرجنتين وأذربيجان، مناشدًا دعم جهود الإطفاء.

لكن حتى في هذه الخطوة، برزت مؤشرات عجز إضافية، إذ أعلنت وزيرة المواصلات ميري ريغيف أن طائرات الإطفاء من اليونان لن تصل، لأن أثينا تواجه بدورها خطر اندلاع حرائق.

ووفق تصريح لقيادة الإطفاء في القدس، فإن الحرائق الحالية “قد تكون الأكبر في تاريخ البلاد”، فيما أظهرت المعطيات أن استجابة الحكومة لا توازي حجم الكارثة.

حين تفضح النيران هشاشة المنظومة

لم تكن الحرائق مجرّد كارثة طبيعية في دولة الاحتلال، بل مرآة عاكسة لهشاشة المنظومة السياسية والأمنية، ولسوء التنسيق بين الأجهزة المختلفة. وبينما يشتعل الجنوب الفلسطيني بنيران العدوان على غزة، تشتعل مناطق الاحتلال بنيران أخرى تُظهر مدى تخبط الحكومة الإسرائيلية.

في مشهد رمزي، اندلعت الحرائق قرب تل أبيب في الوقت الذي كانت غزة قد تحولت إلى جحيم بفعل القصف الإسرائيلي، وكأن الطبيعة تعيد شيئًا من العدالة المجازية، في توقيت لا يمكن تجاهله.

اقرأ أيضًا : حرائق واسعة تلتهم مستوطنات الاحتلال.. وتل أبيب تستجدي المساعدة الدولية