في ظل استمرار النزاع المسلح في السودان، تعيش مناطق غرب البلاد، وخاصة دارفور، واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. 

ولكن خلف هذا الجحيم المشتعل، يبرز دور خطير تلعبه دولة الإمارات العربية المتحدة، المتهمة بتغذية الصراع عبر دعمها اللوجستي والعسكري لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”. 

بينما يتساقط المدنيون يوميًا بين قتيل ومشرد، تتفاقم معاناة النازحين في ظل شُحّ المساعدات الإنسانية وتراجع الدعم الدولي، ما ينذر بكارثة إنسانية أعمق.

دارفور تحت النار: قصف ونزوح وتجويع ممنهج

بحسب تقرير لصحيفة لوموند الفرنسية، فإن ولايتي شمال وغرب دارفور أصبحتا أكثر المناطق تضررًا من النزاع، حيث سُجل نزوح ما لا يقل عن 11.3 مليون شخص حتى الآن، في مشهد يعيد إلى الأذهان صور الإبادة الجماعية الأولى بدارفور عام 2003، والتي جرت أيضًا تحت أنظار العالم الصامت.

في ولاية شمال دارفور وحدها، تؤوي مدينة الفاشر ما يقرب من 18% من إجمالي النازحين في السودان، لكنها تحوّلت اليوم إلى مدينة محاصرة بالكامل من قِبل قوات الدعم السريع المدعومة من أبوظبي، التي تمنع دخول المساعدات وتشن هجمات يومية على الأحياء السكنية، ما يجعل النزوح منها وإليها محفوفًا بالموت.

منظمة أطباء بلا حدود أكدت أن أغلب الشباب الذكور غائبون عن مخيمات النزوح، بعد أن تعرض الكثيرون منهم للإعدام أو التجنيد الإجباري من قِبل ميليشيات الدعم السريع. وفي مشهد يعكس انهيار القيم الإنسانية، وثقت منظمة اليونيسف حالات اختطاف واغتصاب لأطفال ورضّع لا تتجاوز أعمارهم سنة واحدة، وهي جرائم ترتكب تحت غطاء دولي مخجل، وسكوت عربي رسمي تام.

الإمارات.. راعٍ للحرب ومانع للإغاثة

في خلفية هذا المشهد الدموي، تبرز الإمارات كفاعل رئيسي في إشعال الحرب السودانية، وذلك من خلال دعمها لقوات حميدتي بالسلاح والتمويل وحتى التدريب. تقارير دولية وإعلامية أكدت منذ بداية الحرب أن أبوظبي تمد قوات الدعم السريع بطائرات مُسيّرة وأسلحة ثقيلة، وصلت إلى السودان عبر ليبيا وتشاد بطرق ملتوية.

هذا التدخل لا يهدف فقط لدعم فصيل عسكري ضد الجيش السوداني، بل لتحقيق أجندة اقتصادية واستراتيجية، تضمن لها السيطرة على المناجم، خاصة مناجم الذهب في دارفور، ومواقع النفوذ الجغرافي غرب السودان، الذي يُعدّ معبرًا حيويًا نحو أفريقيا الوسطى.

ولكن بينما تصب الإمارات أموالها ونفوذها لتأجيج الحرب، تتنصل من أي مسؤولية إنسانية تجاه ملايين النازحين الذين تسببت سياستها في تشريدهم. وفي وقت تقلّص فيه الدول الكبرى مساعداتها، تكتفي أبوظبي بإطلاق شعارات “التنمية والاستثمار”، في حين تقف على أنقاض مدن دارفور المحترقة.

فوضى إنسانية وانهيار في بنية الإغاثة

الوضع في مخيمات النزوح يزداد قتامة. ففي بلدة “طويلة” التي تحولت إلى ما يشبه عاصمة ميدانية للنازحين، لا تكفي المساعدات الشحيحة التي توفرها منظمة أطباء بلا حدود لتغطية احتياجات آلاف الأسر الهاربة من الفاشر. ويخزن البرنامج هناك نحو 200 طن من المواد الغذائية، لكنها عاجزة عن الوصول إلى المحاصرين.

كما حذرت الأمم المتحدة من احتمالية تفشي وباء الكوليرا بسبب انعدام النظافة، والازدحام الشديد، وانهيار البنية التحتية الصحية، بينما يحذر الخبراء من أن سوء التغذية الحاد قد يكون أكثر فتكًا من الأوبئة نفسها.

وفي مؤشر خطير، أعلن برنامج الأغذية العالمي عزمه على تقليص عملياته بحلول نهاية أغسطس بسبب نقص التمويل، وسط تراجع كارثي في مساهمات الدول الكبرى منذ وصول ترامب إلى الرئاسة الأمريكية، ما قلّص الدعم الإنساني بنسبة 80%. أما فرنسا فخفضت ميزانيتها إلى الثلث، ما يعني أن المدنيين في السودان يُتركون لمصيرهم، في ظل حرب لم يختاروها، ودمار ساهمت فيه قوى خارجية أولها الإمارات.

هدنة مؤقتة لا توقف النزيف

رغم إعلان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان موافقته على هدنة إنسانية لسبعة أيام في مدينة الفاشر بعد اتصال مع الأمين العام للأمم المتحدة، فإن العاملين في المجال الإنساني، مثل مستشارة أطباء بلا حدود ماتيلد سيمون، يؤكدون أن هذه الخطوة “غير كافية”، فالحل لا يكمن في هدنة مؤقتة بل في وقف دائم لإطلاق النار، وضمان دخول الإغاثة بشكل مستمر، مع محاسبة من يشعلون فتيل الحرب.

خاتمة: من سيُوقف حميدتي ومن يموله؟

بينما تنهار المدن ويتصاعد عدد القتلى والنازحين، يظل السؤال الأكبر مطروحًا: من سيحاسب الإمارات على دورها التخريبي في السودان؟ ومن سيوقف حميدتي الذي يحوّل الدعم الخارجي إلى آلة قتل يومي؟ الصمت الدولي والتقاعس العربي سمحا بوقوع إبادة صامتة في دارفور، والضحايا هذه المرة ليسوا فقط أبناء قبائل مهمشة، بل ملايين السودانيين العالقين في جحيم لا يملكون الخروج منه، ولا صوت لهم وسط ضجيج المصالح.

إذا لم يتغير هذا الواقع قريبًا، فدارفور قد تكون على أعتاب إبادة ثانية، وهذه المرة برعاية إماراتية معلنة، وتمويل يُنفق بسخاء في الحرب، ويُحجب عن الجائعين.

اقرأ أيضًا : المساعدات القاتلة: كيف تحوّلت مؤسسة “غزة الإنسانية” إلى أداة إبادة تحت غطاء الإغاثة؟