في ظل تصاعد الحرب في السودان واتساع رقعتها، لم يعد من الممكن النظر إليها بوصفها صراعًا داخليًا خالصًا، فالمؤشرات والوقائع تؤكد أن الحرب باتت ساحة تنافس إقليمي تُغذَّى بالمال والسلاح والطموحات الجيوسياسية، وأن أطرافًا خارجية حوّلتها إلى حرب بالوكالة تخدم مصالحها الخاصة. من بين هذه القوى، يبرز دور الإمارات العربية المتحدة، التي تؤكد كل الأدلة تورّطها في دعم أحد أطراف الصراع، قوات الدعم السريع، التي يقودها محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”، والذي نجح في تحويل هذه القوات إلى إمبراطورية موازية تقوم على الذهب والسلاح والتحالفات الخارجية، وتعمل بعيدًا عن أي إطار وطني، ما جعلها لاعبًا عسكريًا قادرًا على فرض نفوذه عبر العنف والمال، لا عبر مؤسسات الدولة.
في أبريل الماضي، عند أحد الحواجز العسكرية للجيش السوداني في دارفور، تم إيقاف قافلة محمّلة بالذخيرة، وبفحصها تبيّن أن القذائف تحمل أرقامًا تسلسلية تعود إلى أسلحة كانت الإمارات قد اشترتها بشكل قانوني قبل سنوات، وهو ما مثّل أول دليل مادي يصعب إنكاره على انتقال الأسلحة من المخازن الإماراتية إلى ساحات القتال السودانية. هذا لم يكن حادثًا منعزلًا، بل إضافة إلى سلسلة طويلة من الأدلة الظرفية التي لم تكن تصل في السابق إلى مستوى الإثبات المباشر، فقد تكررت تقارير أممية وتشريحات لوجستية تؤكد أن الرحلات الجوية التي تصل من الإمارات إلى تشاد — والتي تُقدَّم رسميًا على أنها رحلات مساعدات إنسانية — تحمل شحنات لا تتطابق مع بياناتها، وأن مسارات الإمداد تصل في النهاية إلى مناطق تمركز قوات الدعم السريع في غرب السودان، فيما تؤكد تقارير منظمات حقوق الإنسان أن نوعية الذخائر المضبوطة وأرقامها التسلسلية تتطابق مع دفعات أسلحة إماراتية.
لكن السؤال الأهم ليس فقط كيف يصل السلاح، بل لماذا يصل أساسًا، وما الذي تكسبه الإمارات من حرب لا تبدو للوهلة الأولى جزءًا من أمنها القومي المباشر. الإجابة تكمن في الذهب، المورد الذي يحوّل الحرب إلى استثمار، فالسودان هو ثالث أكبر منتج للذهب في أفريقيا، والمناجم الأكبر والأغنى تقع تحديدًا في دارفور، حيث تسيطر قوات الدعم السريع على مواقع استخراج رئيسية، ويتم تهريب الذهب عبر شبكات تمتد إلى دبي، التي تُعد اليوم أحد أكبر مراكز تكرير وتجارة الذهب في العالم، لكن الكثير من الذهب الذي يدخل أسواقها لا يمكن تعقّب مصدره بدقة، وهنا يتحوّل الذهب من مورد محلي إلى وقود حرب، يموّل شراء السلاح، واستقطاب المقاتلين المرتزقة، وتأمين الولاءات القبلية والميدانية، ويمنح داعمي الحرب أرباحًا اقتصادية ونفوذًا سياسيًا في آن واحد، فيما يدفع المدنيون الثمن الأعنف.
المأساة الإنسانية الناتجة عن هذا الاستثمار الدموي لم تعد قابلة للإخفاء، ففي مدينة الفاشر التي سقطت في أيدي الدعم السريع في 27 أكتوبر، كشف الناجون عن وقائع الاغتصاب الجماعي والاختطاف والإعدامات الميدانية والمذابح الواسعة، وظهرت جثث الضحايا في العراء بطريقة أمكن توثيقها حتى عبر صور الأقمار الصناعية، فيما اجتاحت القرى موجات نزوح غير مسبوقة، وفرّ السكان من مناطقهم تاركين خلفهم أسواقًا محروقة، وبيوتًا منهوبة، وحياة انهارت بالكامل، بينما غذّت عمليات النهب المنظم مزيدًا من التمكين الاقتصادي لقوات الحرب. ومع اتساع رقعة المعارك في غرب السودان، تعمّقت المجاعة، وانهارت شبكات الإغاثة، وتوقّفت القوافل الإنسانية، وارتفعت التحذيرات الدولية من كارثة غذائية غير مسبوقة، فيما تبدو عمليات الإغاثة في كثير من الأحيان مستهدفة أو مخترقة أو شبه مستحيلة، ليجد ملايين المدنيين أنفسهم محاصرين بين الجوع والرصاص، بلا منفذ ولا حماية.
ورغم أن الإمارات عنصر مركزي في مشهد دعم قوات الدعم السريع، فإنها ليست اللاعب الوحيد في هذه الحرب، فقوى أخرى انخرطت في دعم الطرف المقابل، الجيش السوداني، حيث تشير تقارير إلى دعم من مصر وإيران والسعودية، ما يجعل الصراع ليس مجرد حرب أهلية، بل مواجهة نفوذ قائمة على خطوط إقليمية متشابكة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية بالمصالح الاقتصادية، فيما يبقى الشعب السوداني وحده خارج المعادلة، محرومًا من الحماية ومن موارد بلاده، ومن حقه في الحياة. هذه الحرب لم تعد حربًا على الأرض فقط، بل حرب موارد، طريقها الذهب، ولغتها السلاح، ووقودها الصمت الدولي، والثمن هنا ليس سياسيًا أو جيوسياسيًا فحسب، بل إنساني بالكامل، فالدماء التي تسيل ليست مجرد رقم، والمدن التي تُمحى ليست ساحات نفوذ، بل أوطان تتحلل أمام مصالح لا ترى فيها سوى طريق للربح والتمدد، وفي النهاية، لا شيء يشرح استمرار هذه الحرب أكثر من حقيقة بسيطة: أنها أصبحت مشروعًا تجاريًا مربحًا لأطراف بعيدة، وكارثة وجودية للشعب الذي تحوّلت أرضه إلى صندوق صفقات تتقاسمه القوى الإقليمية بصمت العالم، وبلا رحمة.