بعد ارتفاع منسوب التفاؤل الذي ساد خلال الساعات الماضية بشأن قرب التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الصراع، برزت إلى السطح روايتان متناقضتان لمذكرة التفاهم المرتقبة بين الجانبين؛ مما يهدد بالعودة إلى المربع الأول. وليست هذه المرة الأولى التي ترتفع فيها الآمال بقرب إبرام اتفاق بين واشنطن وطهران، إذ تكرر المشهد أكثر من مرة منذ وقف إطلاق النار في 8 أبريل/ نيسان الماضي. وتُشير المعطيات المسربة حول مسودة الاتفاق إلى أننا أمام مشهد “دبلوماسي هجين” يجمع بين الحشد اللوجستي المتسارع على الأرض، والتباعد الشديد في الرؤى السياسية على طاولة المفاوضات.

ورداً على تصريحات إيرانية كشفت بنود الاتفاق المرتقب، هاجم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرواية الإيرانية بعنف؛ معلناً أن الشروط التي سربتها طهران إلى من أسماها “وسائل الإعلام الكاذبة” لا علاقة لها بالشروط التي تم الاتفاق عليها كتابياً. وأضاف ترامب متبجحاً: “ما صرح به الإيرانيون بما في ذلك بيانهم الضعيف والمثير للشفقة بشأن التوصل إلى اتفاق لا يمت للحقيقة بصلة”، مشيراً إلى أنه من الأفضل للإيرانيين أن يعيدوا ترتيب أوضاعهم وبسرعة؛ في محاولة أمريكية لفرض شروط الابتزاز ونفي التسريبات التي تعري تراجع واشنطن ميدانياً.

مسودة أمريكية حذرة: رهان هرمز وتفكيك مشروط للبرنامج النووي

وترتكز المسودة الأمريكية على نقاط عامة تبدأ بإلحاح واشنطن على أن يركز الاتفاق في مرحلته الأولى على إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء القيود الأمريكية على الملاحة فيه كمدخل تمهيدي، تتبعه مباحثات موسعة ترتبط بالملف النووي الذي سيستغرق وقتاً أطول، وفق وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. ويتضمن الاتفاق—من وجهة نظر أمريكية—التزاماً إيرانياً بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، مع طرح خيار خفض مستويات تخصيب اليورانيوم تحت رقابة أممية، على أن يبقى تنفيذ أي إجراءات عملية مرهوناً باتفاق لاحق. ويقضي التفاهم المطروح أمريكياً بإعادة حركة الملاحة في المضيق إلى مستويات ما قبل الحرب خلال 30 يوماً، مقابل رفع تدريجي للقيود الأمريكية يشمل إعفاءات مؤقتة لبيع النفط لمدة 60 يوماً تمنح طهران متنفساً اقتصادياً.

وفي السياق ذاته، أكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن إيران لن تحصل على أموال مقابل توقيع اتفاق، في وقت نقلت فيه وكالة رويترز عن مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية أن الاتفاق يقضي بفتح مضيق هرمز وعدم تمويل طهران لجماعات يوصفونها بالإرهابية، مشدداً على أنه لن تُصرف أي أموال لطهران قبل تنفيذ البنود وتفكيك البرنامج النووي الإيراني. ولا تزال مسألة الأصول الإيرانية المجمدة عالقة وسط تباين حاد؛ حيث تتمسك واشنطن بصيغة الإفراج التدريجي المرتبط بالامتثال، مقتصرة في المباحثات الأخيرة بمشاركة قطر على آلية تتيح لطهران الوصول إلى بعض أموالها المجمدة في الدوحة لغرض حصري يتمثل في شراء السلع الإنسانية فقط.

شروط إيرانية صارمة: مسودة الـ 14 بنداً ومطالب التعويض والسيادة

في المقابل، نسفت الرواية الإيرانية الصارمة الأوهام الأمريكية؛ حيث أكدت وكالة “إرنا” الإيرانية أنه لن يتم التوصل إلى أي اتفاق بشأن الملف النووي ضمن مذكرة التفاهم الحالية، كما لن تقدم طهران أي التزامات جديدة، على أن تجرى المحادثات النووية خلال مهلة 60 يوماً بعد التوقيع. وشددت المصادر على أن طهران لن تقدم أي تعهد بشأن تسليم إدارة مضيق هرمز، وأن مستقبل إدارته سيُحدد ضمن إطار إقليمي مشترك بين طهران وسلطنة عمان. كما ركزت الشروط الإيرانية على إنهاء الحرب على جميع الجبهات الإقليمية وإجبار واشنطن لإسرائيل على إنهاء الحرب في لبنان، مع خلو النص تماماً من عبارة “تمديد وقف إطلاق النار”.

وفجّرت وكالة “مهر” الإيرانية مفاجأة بكشفها عن تفاصيل مسودة مذكرة تفاهم من 14 بنداً نقلها مصدر مقرب من فريق التفاوض، تتضمن تعهداً أمريكياً بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، وتقديم خطط لإعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار من جانب الولايات المتحدة وحلفائها كتعويض عن الأضرار. وتطالب المسودة برفع الحصار البحري كاملاً، وتعليق العقوبات النفطية والبتروكيماوية، وضمان الوصول الكامل للموارد المالية، مع اشتراط طهران الإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول المجمدة خلال فترة المفاوضات (60 يوماً)، على أن يتاح نصف هذا المبلغ (12 مليار دولار) لإيران فوراً قبل انطلاق المفاوضات النهائية، مع خروج البرنامج الصاروخي ودعم جماعات المقاومة من جدول الأعمال نهائياً.

تحركات لوجستية في جنيف وتضارب حول موعد التوقيع

وعلى وقع حرب السرديات، كشفت التحركات الميدانية عن استنفار لوجستي وأمني واسع؛ حيث نقلت شبكة “سي إن إن” تغيير مكان محادثات السلام المرتقبة خلال الأسابيع الأخيرة من باكستان إلى سويسرا، وسط إرسال متكرر لأفراد الأمن والجيش الأمريكيين إلى جنيف للتنسيق لمراسم توقيع مرتقبة لإنهاء الأعمال القتالية. ورغم نفي وكالة “فارس” الإيرانية لصحة التقارير التي نقلتها “بلومبيرغ” عن مسؤول في مجموعة السبع بأن التوقيع على مذكرة التفاهم سيتم الأحد المقبل في جنيف على هامش اجتماع المجموعة، إلا أن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أكد أن مذكرة التفاهم مع أمريكا باتت أقرب من أي وقت مضى، مطالباً وسائل الإعلام بالامتناع عن التكهنات حتى استكمال النص نهائياً، بالتزامن مع رصد إقلاع 4 طائرات شحن عسكرية أمريكية من طراز “سي-17” نحو أوروبا بنقل معدات تمهد للمراسم.

وفي الخلاصة، فإن التضارب الحاد بين رواية ترامب الرافضة ومسودة الـ 14 بنداً الإيرانية يبرهن على أن الساعات القادمة ستكون حاسمة في تحديد مصير المنطقة. إن محاولات البيت الأبيض لفرض صيغة تفكيك مشروط للقدرات النووية الإيرانية دون دفع تعويضات أو الإفراج الكامل عن الأموال، تصطدم بصخرة الثبات الإيراني المتمسك بحق التخصيب وبقاء المواد داخل الحدود وحماية عمق المقاومة. وستبقى التحركات العسكرية اللوجستية في جنيف مؤشراً على أن الطرفين يبحثان عن مخرج دبلوماسي لتجنب جولة حرب شاملة ربما تكون الأعنف، لكن دون أن يتنازل أي منهما عن خطوطه الحمراء الجيوسياسية.