نشرت صحيفة الاندبندنت البريطانية تقريرًا كشفت فيه عما وصفته بـ”حرب معلومات” تقودها السلطات الإماراتية، ولا سيما في دبي، بهدف الحفاظ على صورة “الحلم الإماراتي” في ظل التصعيد العسكري مع إيران، وذلك رغم سقوط صواريخ إيرانية على أبو ظبي ودبي خلال الفترة الأخيرة.

وأوضحت الصحيفة أن صورة دبي، التي طالما قُدمت باعتبارها عاصمة المؤثرين حول العالم ووجهة فاخرة للشباب والأثرياء، بدأت ملامحها تتصدع مع تصاعد الهجمات، مشيرة إلى أن المدينة التي كانت تُسوّق كواحدة من أكثر الأماكن أمانًا في العالم لم تعد كذلك، فيما سارعت السلطات إلى فرض سيطرة صارمة على الرواية الإعلامية، من خلال حملة قمع واسعة تستهدف كل من ينشر صورًا أو مقاطع فيديو للهجمات أو آثارها.

وبحسب التقرير، فقد لجأ صانعو المحتوى -بأوامر من السلطات- إلى نشر مواد متشابهة بشكل لافت، تمتلئ بعبارات الثناء على القيادة والاستقرار، وتكرر نفس الكلمات المفتاحية، في محاولة لإبقاء صورة “دبي الحلم” حاضرة رغم الواقع المتغير، في وقت يواجه فيه المواطنون والمقيمون العاديون خطر الاعتقال لمجرد مشاركة محتوى يخالف الرواية الرسمية.

ونقلت الصحيفة عن رادها ستيرلينغ، مؤسسة ومديرة منظمة  Detained in Dubai، أن السلطات باتت تعتمد نهج “الاعتقال أولًا ثم طرح الأسئلة لاحقًا”، وهو أمر وصفته بأنه غير مسبوق. وأشارت إلى أن أشخاصًا تم توقيفهم فقط لأنهم كانوا بالقرب من موقع انفجار، حيث تقوم الشرطة لاحقًا بمراجعة هواتفهم الشخصية.

واستشهدت بحالة أثارت اهتمامًا إعلاميًا، حيث تم اعتقال ثلاثة أشخاص نجوا من ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت مبناهم السكني، وذلك بعد أن قاموا بمشاركة صورة بشكل خاص مع عائلاتهم لإبلاغهم بأنهم على قيد الحياة. وأوضحت ستيرلينغ أن السلطات تقوم بتفحص الرسائل الخاصة، وقد تؤدي مشاركة صورة بسيطة مع أحد أفراد الأسرة إلى الاعتقال، رغم أن تلك الصور كانت قد نُشرت بالفعل في وسائل الإعلام الدولية.

ووصفت هذا الواقع بأنه “أورويلي للغاية”، في إشارة إلى أجواء الرقابة والقمع، حيث يتم احتجاز ناجين من هجمات عسكرية والتعامل معهم كمخالفين رغم غياب أي نية سيئة.

ويُستخدم وصف “أورويلي” نسبةً إلى الكاتب George Orwell، ولا سيما روايته 1984، للدلالة على أنماط من القمع لا تقتصر على السيطرة الأمنية المباشرة، بل تمتد إلى التحكم في الوعي والواقع نفسه؛ إذ يشير المصطلح إلى منظومة تقوم على المراقبة الدائمة للأفراد، وتجريم الأفعال البسيطة بل وحتى الأفكار، وفرض رواية رسمية واحدة عبر تقييد المعلومات وإعادة صياغة الحقيقة بما يخدم السلطة، إلى جانب استخدام الدعاية المنظمة واللغة الموجهة لإضعاف التفكير النقدي، وخلق حالة عامة من الخوف تدفع الناس إلى الرقابة الذاتية؛ وبذلك يصبح “الأورويلي” وصفًا لأي واقع تُفرض فيه نسخة مصطنعة من الحقيقة، ويُجبر الأفراد على قبولها رغم تناقضها مع ما يرونه ويعيشونه فعليًا.

كما أشار التقرير إلى توجيه اتهامات لرجل بريطاني يبلغ من العمر 60 عامًا بموجب قوانين الجرائم الإلكترونية، بعد أن قام بتصوير صواريخ إيرانية في سماء المدينة، ضمن مجموعة تضم أكثر من 20 شخصًا وُجهت لهم اتهامات مشابهة. وأوضحت ستيرلينغ أن مجرد إعادة نشر مقطع فيديو أو التفاعل مع منشور قد يؤدي إلى الاحتجاز، حيث يمكن أن يتحول المستخدم إلى “مجرم” لمجرد الضغط على زر المشاركة.

وأكدت الصحيفة أن الإمارات، رغم سعيها لجذب الزوار الغربيين، تطبق واحدة من أكثر القوانين صرامة في العالم فيما يتعلق بحرية التعبير، حيث يُحظر أي انتقاد للحكومة أو السياسات أو العائلة الحاكمة. كما أن تشريعات الجرائم الإلكترونية تُجرّم نشر أو مشاركة أي محتوى قد يُعتبر مضرًا بسمعة الدولة.

وأضافت ستيرلينغ أن هذه القوانين تتسم بكونها واسعة وفضفاضة وقابلة للتأويل، وهو ما يمنح السلطات مرونة كبيرة في توجيه التهم. واستشهد التقرير بحالة المواطن الإيرلندي الشمالي كريغ بالنتين، الذي تم اعتقاله في عام 2023 فور وصوله إلى مطار أبو ظبي بسبب مراجعة سلبية كتبها على “غوغل” عن جهة عمل سابقة في دبي، قبل أن يُسمح له بالمغادرة بعد عدة أشهر.

ورغم هذه الوقائع، لم يؤثر ذلك بشكل كبير على تدفق المهاجرين، حيث أظهرت بيانات شركة نقل دولية زيادة بنسبة 420% في طلبات الانتقال إلى دبي من قبل البريطانيين خلال السنوات الخمس الماضية. وأرجعت ستيرلينغ ذلك إلى أن الكثيرين مستعدون لتجاهل هذه القيود مقابل مزايا مثل الطقس المشمس وعدم فرض ضرائب على الدخل وصورة “المجتمع الآمن”.

وأشارت إلى أن غالبية المتضررين من حملة القمع على وسائل التواصل هم من العمال والمقيمين منذ فترات طويلة، وكثير منهم لم يكونوا على دراية بأنهم يخالفون القوانين. كما لفتت إلى أن السلطات تواصل اعتقال أشخاص بسبب أفعال قاموا بها قبل صدور التحذيرات الرسمية، بل وقد تنتظر من سبعة إلى تسعة أيام قبل تنفيذ الاعتقال، وهو ما خلق حالة من الخوف الواسع.

وفي المقابل، أوضحت أن المؤثرين البارزين والمشاهير لا يواجهون نفس المصير، بل يتمتعون بمعاملة خاصة، حيث يتم استدعاؤهم بشكل ودي لحذف المحتوى واستبداله برسائل تحذيرية، دون التعرض لأي عقوبات. واعتبرت أن هؤلاء يُعاملون كأنهم جزء من الجهاز الحكومي، ويتمتعون بكامل الامتيازات.

وأشار التقرير إلى أن الحكومة الإماراتية تولي أهمية كبيرة للمؤثرين، لدرجة إطلاق “أكاديمية المؤثرين” لاستقطاب صناع المحتوى، بهدف تعزيز الصورة الإيجابية للدولة وجذب المزيد من الزوار.

وفي هذا السياق، أكدت ستيرلينغ أن هناك ازدواجية واضحة في التعامل، حيث يُطبق قانون على فئة، وقانون آخر على بقية الناس. كما أشارت إلى تقارير إعلامية فرنسية تحدثت عن اعتقال المؤثرة الفرنسية ميفا غينام بعد نشرها مقاطع عن الصواريخ الإيرانية، قبل أن تنفي الأخيرة ذلك وتؤكد أنها استُدعيت فقط للتحقيق في قضية أخرى.

كما تناول التقرير حالات لمؤثرين أكدوا لمتابعيهم شعورهم بالأمان في دبي، قبل أن يغادروا المدينة لاحقًا، مثل لويزا زيسمان التي أعلنت ثقتها في الدفاعات الإماراتية ثم عادت إلى بريطانيا.

ورصدت الصحيفة انتشار مقاطع متشابهة بشكل كبير على منصات مثل إنستغرام وتيك توك، تبدأ بسؤال: “أنت تعيش في دبي، ألا تشعر بالخوف؟”، ثم تعرض صورًا للشيخ محمد مرفقة بعبارات مثل: “أنا أعرف من يحمينا”. واعتبرت أن هذا النمط المتكرر لا يبدو عفويًا، خاصة في ظل القيود الصارمة على حرية التعبير.

كما أشار تحليل أجرته هيئة BBC إلى 129 منشورًا لمؤثرين في دبي خلال الأيام الأولى من التصعيد، أظهرت أن العديد منها استخدم نفس اللغة التي تركز على “الاستقرار” و”الأمان” و”القيادة القوية”، بل إن بعض هذه المنشورات نُشر خلال ثوانٍ من بعضها البعض.

ورجّحت ستيرلينغ أن تكون هذه الرسائل جزءًا من توجيه حكومي، مشيرة إلى أن السلطات كانت تاريخيًا توجه وسائل الإعلام الرسمية بشأن الرسائل المطلوب تضخيمها، وأن ما يحدث حاليًا هو امتداد لهذا الأسلوب لكن عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع محاولة تقديمه على أنه “ترند” وليس دعاية رسمية.

وأضافت أن هذه الرسائل لا تقتصر على كبار المؤثرين، بل تنتقل إلى صناع المحتوى الطامحين، الذين يسعون لمجاراة هذا الخطاب من أجل تحقيق مكاسب وزيادة نفوذهم.

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن النهج المعتاد للسلطات الإماراتية يتمثل في إنكار أو إخفاء أي وقائع سلبية، مدعومًا بشبكة من المؤثرين، إلا أن هذه الاستراتيجية غالبًا ما تأتي بنتائج عكسية، إذ لا تبدو مقنعة في ظل التناقض الواضح بين الخطاب الرسمي والواقع، خاصة عندما يتم الترويج لفكرة أن الوضع “آمن تمامًا” في حين أن ذلك لا يعكس الحقيقة.