في مشهد غير مألوف، بدأت عائلات الجنود الإسرائيليين الأسرى في قطاع غزة تتلقى مكالمات هاتفية مجهولة المصدر، تحمل في طيّاتها رسائل مشفر أو معلومات حساسة عن أبنائهم في الأسر. 

لم تكن هذه المكالمات محض صدفة أو حملة فردية عشوائية، بل تعكس تطورًا نوعيًا في أدوات المقاومة الفلسطينية، التي انتقلت من ميادين الاشتباك العسكري إلى ميدان الحرب النفسية المنظمة، مُستخدمة الهاتف وسيلة لضرب جبهة الاحتلال من الداخل، وتفكيك جبهته الداخلية الأكثر هشاشة: عائلات الجنود.

سلاح جديد في المعركة.. المكالمة الهاتفية كسلاح

منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023، ركّزت المقاومة الفلسطينية على ضرب منظومة الاحتلال بطرق غير تقليدية. 

إلى جانب القتال المسلح والهجمات النوعية، برز استخدام الحرب النفسية كأحد الأسلحة الأكثر فاعلية، لا سيما عبر الاتصالات الهاتفية التي استهدفت بشكل مباشر أهالي الجنود المأسورين لدى كتائب القسام وسرايا القدس وغيرهما من فصائل المقاومة.

تبدأ القصة حين تتلقى والدة جندي رسالة صوتية تقول فيها “ابنك في غزة.. هل أخبرك الجيش عن وضعه الحقيقي؟”. 

تتبعها تفاصيل دقيقة عن وضع الأسير، وربما تسريبات صوتية له، أو إشارات عن تدهور صحته. 

ليس الغرض هو طمأنة الأهل، بل خلق فجوة من الشك وانعدام الثقة بين العائلة والجيش الإسرائيلي. والمثير أن بعض تلك المكالمات تضمنت رسائل بالعبرية الصافية، وربما بصوت نسائي لطيف أو متعاطف، ما زاد من وقعها النفسي وحدّة التشويش الذي أحدثته.

بحسب تحليلات أمنية إسرائيلية نشرتها وسائل إعلام عبرية، فإن تلك المكالمات تُعد من أخطر أدوات التأثير التي استخدمتها “الجهات المعادية” (في إشارة للمقاومة)، حيث إنها تخترق الخصوصية العائلية وتُدخل الشك في صدق الرواية الرسمية التي يقدمها الجيش.

تفكيك الجبهة الداخلية.. حين يُصبح الأهل خصومًا للجيش

تاريخيًا، لم تكن الجبهة الداخلية في إسرائيل متماسكة في أوقات الحرب. ولكن مع قضية الأسرى، يُصبح المشهد أكثر هشاشة. فالأهالي، بطبيعتهم، يعيشون على أمل تلقي معلومات دقيقة من الجهات الرسمية عن مصير أبنائهم. وهنا تتدخل المقاومة، ليس لمواساة العائلات، بل لقلب تلك العلاقة رأسًا على عقب.

بعد كل مكالمة، يبدأ الشك في التسلل: لماذا لم يُخبرنا الجيش بهذه التفاصيل؟ هل أخفى عنا شيئًا؟ هل يُراوغ في مسألة التفاوض؟ وبهذا، يتحول الجيش –بعيون العائلات– من “مُنقذ محتمل” إلى “جهة غير موثوقة”، وربما “خائنة”.

يقول أحد المحللين العسكريين الإسرائيليين: “هذه المكالمات تُثير أزمة ثقة داخلية، وقد تدفع العائلات إلى الضغط على الحكومة بشكل أكثر حدة. وهذا بالضبط ما تريده حماس: تحويل قضية الأسرى إلى أداة ضغط سياسي داخلي”.

وبالفعل، بدأت بعض العائلات في تنظيم وقفات احتجاجية أمام منزل رئيس الوزراء، تطالب بالكشف عن الحقيقة والتعجيل بإجراء صفقة تبادل، في وقت يحاول فيه الجيش التعتيم على الملف لحسابات أمنية وتكتيكية.

“حرب الأعصاب” بدل الرصاص.. من يربح المعركة؟

ما يفعله جناح الحرب النفسية في المقاومة لا يقل فاعلية عن صواريخها. ففي الوقت الذي تخوض فيه إسرائيل معركة استنزاف عسكرية في غزة وجنوب لبنان، تواجه في الداخل معركة لا تقل شراسة: تفكك نفسي في صفوف عائلات الجنود، وتصدع في ثقة الجمهور بحكومته.

واللافت أن تلك المكالمات لا تستهدف فقط الأسرى العسكريين، بل أيضًا المجتمع الإسرائيلي ككل، من خلال زرع فكرة أن المقاومة “تعلم أكثر مما يُقال”، وأنها “تخترق أجهزة الدولة”، وأن الجيش ليس بقوة الصورة التي يروّج لها. إنها معركة رسائل بامتياز.

كما تعكس تلك المكالمات مستوى متقدمًا من تنظيم العمل المقاوم، إذ لا يمكن إرسال هذا الكم من المكالمات والمعلومات دون وجود وحدة استخباراتية أو إعلامية منظمة. وهو ما يؤكد أن المقاومة باتت تمتلك شبكة متقدمة من أدوات التأثير والإدارة الإعلامية، إلى جانب القدرات القتالية.

وفي المقابل، يُظهر تعامل الاحتلال مع هذه القضية تخبطًا واضحًا، بين محاولات النفي، وتوجيه أصابع الاتهام إلى حماس أو حتى إيران، وبين محاولات فاشلة لإقناع العائلات بعدم التفاعل مع تلك المكالمات، رغم تأكيد جهات أمنية أنها تحتوي على معلومات حقيقية.

مكالمة تقلب المعادلة

حين تتحول مكالمة هاتفية إلى جبهة قتال، فهذا يعني أن المعركة انتقلت من الميدان إلى العقول. ومع استمرار المقاومة في استخدام هذا السلاح، سيجد الاحتلال نفسه أمام خيارين: إما أن يواجه الحقيقة ويبدأ حوارًا جديًا حول الأسرى، أو أن يدفع ثمن الانفجار القادم في جبهته الداخلية.

في النهاية، الحرب النفسية التي تقودها المقاومة لا تهدف فقط لكسب المعركة، بل لتفكيك مفهوم النصر نفسه عند العدو. وربما كانت هذه المكالمات هي الشرارة التي ستعيد رسم خطوط الصراع من جديد.

اقرأ أيضًا : رغم الدعم الإماراتي وجرائم الإبادة.. الجيش السوداني يستعيد الدبيبات