تعيش مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور السودانية، واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخ الإقليم، وسط حصار خانق تفرضه مليشيات “الدعم السريع” المدعومة بشكل مباشر من النظام الإماراتي، الذي يواصل العبث بأمن واستقرار شعوب المنطقة عبر وكلائه المسلحين.

الهجوم الأخير الذي شنّته هذه المليشيات، قبل أيام، لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل مجزرة جماعية وحصار ممنهج يستهدف المدنيين في المقام الأول، متسببًا في انهيار شبه كامل للمرافق الصحية، وتفشي الجوع والمرض، وبلوغ الأوضاع عتبة المجاعة.

ففي مخيمات النازحين، مثل زمزم وأبوشك وأبوجا، تتكدس العائلات وسط ظروف إنسانية لا تطاق. لا غذاء، لا دواء، ولا وسائل إسعاف، سوى قطع قماش وخلطات بدائية لمحاولة تضميد الجراح وإنقاذ الأرواح، حتى أصبحت الفاشر عنوانًا لخذلان العالم، ولكنها أيضًا فضيحة مكشوفة لنظام يتباهى بالمال والنفوذ على حساب الدماء.

أبوظبي.. راعية الخراب عبر بوابة “الدعم السريع”

في ظل تقارير دولية متطابقة، بات واضحًا أن الدعم الذي يتلقاه حميدتي ومليشياته من الإمارات لا يقتصر على التمويل والتسليح، بل يتعداه إلى التنسيق السياسي والإعلامي والتغطية الدبلوماسية. فالدولة التي تغلّف تدخلاتها في عباءة “الاستقرار الإقليمي” هي ذاتها من ترعى الفوضى المسلحة، وتغذّي النزاعات الأهلية، سواء في اليمن أو ليبيا أو السودان.

وليس سرًا أن مليشيا “الدعم السريع” أصبحت أداة تنفيذ لمشاريع إماراتية تستهدف تفكيك السودان، وتقويض وحدته، مقابل النفوذ الاقتصادي والعسكري في موانئ البحر الأحمر، وحقول الذهب والموارد الاستراتيجية.

كارثة إنسانية تتفاقم.. وصمت دولي مريب

تقول وكالة الأنباء الفرنسية إن الجرحى في الفاشر يعالجون أنفسهم باستخدام النباتات الطبية وقطع القماش، بعد أن دُمّرت المستشفيات أو أُفرغت من كوادرها. وتشير الأمم المتحدة إلى فرار مئات الآلاف من مخيم زمزم وحده، بعدما أعلنت رسميًا أن المخيم يعيش مجاعة محققة.

ووفق بيانات المنظمة الدولية، فإن الهجمات الأخيرة أودت بحياة أكثر من 400 شخص، فيما يتهدد أكثر من مليون إنسان خطر الموت جوعًا ومرضًا، بينهم 825 ألف طفل وصفهم تقرير اليونيسف بأنهم “محاصرون في الجحيم”.

الناس في الفاشر يحفرون ملاجئ مؤقتة، ويغلقونها بأكياس الرمل أملاً في الاحتماء من نيران لا تتوقف، وقصف لا يفرّق بين مدني أو مسلح. ومع ذلك، لا أحد يستطيع ضمان النجاة، فقد باتت كل خطوة خارج المأوى مخاطرة بالحياة.

دعوات عاجلة.. ولا حياة لمن تنادي

في خضم الكارثة، دعت منظمة أطباء بلا حدود إلى تحرك فوري لإنقاذ من تبقى من السكان. وقال رئيس بعثتها في السودان، راسماني كابوري:

“رغم إغلاق الطرق، يجب تسيير رحلات جوية فورية لإيصال الغذاء والدواء إلى المحاصرين الذين يواجهون خطر الجوع والموت البطيء.”

لكن حتى هذه النداءات تصطدم بحائط صمت دولي، تدعمه مصالح سياسية، وتغذّيه صفقات سلاح ومصالح نفوذ، تضع أنظمة مثل الإمارات في مأمن من المحاسبة، رغم تورطها العلني في تسليح وتمويل جماعات ارتكبت جرائم ضد الإنسانية.