في حادثة أثارت غضبًا عارمًا داخل ليبيا وخارجها، كشفت تسريبات مصوّرة عن تعرض النائب في مجلس النواب الليبي، إبراهيم الدرسي، للتعذيب والإهانة الجسدية في أحد سجون قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، المدعوم إماراتيًا، شرق ليبيا.
وظهر الدرسي، المعروف بولائه المعلن لحفتر، وهو مكبل بالسلاسل في زنزانة عارية، يستجدي العفو والرحمة من حفتر ونجله صدام، فيما لم تُعلن أي جهة رسمية عن سبب احتجازه أو الاتهامات الموجهة إليه، ما أثار موجة تساؤلات حول سيادة القانون وواقع حقوق الإنسان في شرق البلاد.

إذلال الحلفاء: لماذا عُذّب نائب داعم لحفتر؟
الصدمة الكبرى لا تكمن فقط في التعذيب، بل في هوية الضحية: برلماني معروف بدعمه الصريح لحفتر، شارك مؤخرًا في احتفالات “ثورة الكرامة”، ليجد نفسه بعد أيام مكبّلاً، يلهث طالبًا الغفران ممن دافع عنهم.
ويبدو أن الحادثة جاءت في سياق صراع داخلي خفي بين أجنحة قوات حفتر الأمنية، خاصة تلك التابعة لنجله صدام، الذي يترأس ما يُعرف بـ”لواء طارق بن زياد”، السيء السمعة.
الدرسي، خلال مقاطع الفيديو، بدا في حالة يُرثى لها، ضعيف الجسد، مذلول الصوت، يتوسل حفتر قائلاً: “أرجوك، أنا كنت دائمًا مع الكرامة والجيش، أفرج عني وسأكون سيفك المسلول على أعدائك”، وهي كلمات كشفت حجم الرعب والإهانة التي تعرض لها، وفضحت مجددًا وجهًا آخر لحكم السلاح في ليبيا.
هذه الحادثة تعيد للأذهان مصير النائبة السابقة سهام سرقيوة، التي اختُطفت من منزلها في بنغازي عام 2019 بعد انتقادها لحفتر، ولم يُعرف عنها شيء حتى اليوم. وحين يُخطف نائب، وتُداس حصانته، ويتعرض للتعذيب من أجهزة أمنية تتبع حفتر، دون تحقيق أو مساءلة، فإن المشهد لا يُبقي للشرعية أي معنى.
وهادا فيديو يا أولاد الحرام للنكرة إبراهيم الدرسي وهو يقود لحفتر وصدام، طبعا إبراهيم من أكبر القوادة في برقةلحفتر بعد زلةلسان هادا ما صار فيه😂😂لكن يعجبني حفتر كيف عافس على رقابهم وقاعدين يقودوله إلى الأمام يا مشير نبوا نشوفوا فيديوهات هكي أكتر للقوادة،الجاية نبوها لمحمود الحسان pic.twitter.com/yXrhFm8nYC
— 🇱🇾The Libyan Emperor🇱🇾{2} (@Shawn10075) May 5, 2025
ردود أفعال رسمية ودعوات لتدويل الجريمة
الحدث لم يمر بصمت. فقد أدانت حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة التعذيب علنًا، مطالبة بتحقيق دولي مستقل، وشددت على أن “استمرار حالات الإخفاء القسري والتعدي على الحصانة البرلمانية دون مساءلة يكرس مناخ الإفلات من العقاب ويهدد المسار السياسي برمّته”.
أما المجلس الأعلى للدولة، فقد اعتبر، عبر عضو المجلس إبراهيم صهد، أن ما حدث “جريمة بشعة مزدوجة” تشمل الاختطاف والتعذيب والإخفاء القسري، مطالبًا بإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية نظرًا لعجز القضاء الليبي عن التحرك، بحسب تعبيره.
في المقابل، حاول جهاز الأمن الداخلي في بنغازي نفي الواقعة، زاعمًا أن الفيديوهات “مفبركة باستخدام الذكاء الاصطناعي”، ومتهمًا الدبيبة ومستشاره الإعلامي وليد اللافي بالوقوف وراء التسريبات.
لكن كثيرين رأوا في هذا النفي محاولة يائسة للتغطية على الفضيحة، خاصة أن هوية المكان والأسلوب يتماشيان مع سوابق موثقة لقوات “طارق بن زياد”، سيئة السمعة في مجال حقوق الإنسان.
الإمارات.. شريك الإذلال والمجازر في ليبيا
ما يزيد الطين بلّة، أن هذه الانتهاكات المتكررة ما كانت لتحدث بهذا الشكل لولا الدعم العسكري والسياسي الإماراتي المستمر لقوات حفتر. فمنذ 2014، وفّرت أبو ظبي السلاح والعتاد والطائرات المسيرة وحتى المرتزقة لقواته، في انتهاك صارخ لحظر التسليح المفروض على ليبيا من قبل مجلس الأمن.
اللواء “طارق بن زياد”، المتورط في عمليات تعذيب واعتقالات خارج القانون، تلقى تدريبات وتسليحًا إماراتيًا موثقًا في تقارير أممية، وكان الذراع الأساسية للهجوم على طرابلس في 2019. واليوم، يستكمل هذا اللواء مهمته، ولكن ضد مواطنين ليبيين – بل حتى ضد حلفاء حفتر أنفسهم.
كما أن الإمارات تواصل دعمها لحفتر رغم ما تورط فيه من جرائم، بما في ذلك قصف أحياء مدنية وتصفية معتقلين، بل إن شحنات السلاح الإماراتي لم تتوقف حتى في ظل مبادرات السلام الأممية، ما يثبت أن أبو ظبي شريك أصيل في مشروع عسكرة ليبيا وكسر أي إمكانية لبناء دولة مدنية.
انعكاسات داخلية.. الشرعية البرلمانية على المحك
الحادثة ضربت ما تبقى من مصداقية لمجلس النواب الليبي. فحين يُخطف عضو من داخله ويُعذب دون أن يُحرك المجلس ساكنًا، وتُعقد جلسة برلمانية في ذات التوقيت دون مناقشة الأمر بجدية، ثم تُغلق الجلسة حين يصلهم خبر التسريبات، فإن المجلس ذاته يتحول إلى واجهة صورية تخدم سلطات الأمر الواقع في بنغازي.
ويرى محللون أن الصمت البرلماني يعكس ضعف رئيس المجلس عقيلة صالح، أو تواطؤه، في ظل تحالفه المستمر مع حفتر. بل إن السكوت عن اختطاف نائب يُعد انتهاكًا جماعيًا للحصانة البرلمانية، ويُسقط أي معنى للدستور والقانون.
القبيلة والعار.. هل يشعل الشارع فتيل المواجهة؟
في شرق ليبيا، تلعب الاعتبارات القبلية دورًا كبيرًا، ولا يمكن تجاهل أثر ما حدث في مجتمع يُقدّر الشرف والكرامة. فظهور ابن إحدى القبائل في هذا الوضع المهين، سيُنظر له كعار يتطلب رد فعل، خاصة إن لم تُقدَّم تبريرات حقيقية، وإن لم يتحرك شيوخ القبائل والوجهاء للدفاع عن أبنائهم.
يرى مراقبون أن استمرار هذه السياسات الأمنية القمعية، وإن سكت عنها البعض في السابق، فقد يتسبب في إشعال تمرد اجتماعي داخل قاعدة حفتر الشعبية نفسها، لأن الإذلال لم يعد يطال خصومه فقط، بل حتى أنصاره الذين انقلب عليهم حين لم يعودوا نافعين لمشروعه العسكري.
خاتمة: ليبيا بين السجون والشرعية المفقودة
حادثة تعذيب النائب إبراهيم الدرسي ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في مسلسل قمعي ممنهج تمارسه قوات حفتر ضد خصومها وحلفائها على حد سواء، بدعم مكشوف من الإمارات.
وإذا لم يتحرك القضاء الليبي أو المجتمع الدولي بشكل جاد، فإن ليبيا ستظل ساحة مفتوحة للإخفاء القسري، والتعذيب، وانتهاك الحقوق، في غياب دولة تحترم القانون أو تحاسب الجناة.
هل تكون هذه الواقعة بداية لانفجار شعبي وسياسي يضع حدًا لحكم العسكر شرق ليبيا؟ أم سيُطوى الملف كما طُويت قبله قضايا النائبة سرقيوة وآلاف المختفين قسرًا؟ الأيام المقبلة وحدها ستجيب.
اقرأ أيضًا : بعد هجوم من ميليشا الإمارات.. استئناف الملاحة في مطار بورتسودان بعد هجوم مسير