بينما يرفع النظام السعودي شعارات “الإصلاح والانفتاح”، تتكشف حقائق صادمة عن التحولات الاجتماعية والثقافية التي تحدث تحت غطاء “الترفيه العصري”. من السماح بإطلاق لعبة GTA 5 في أسواق المملكة دون حذف أو تعديل رغم ما تحمله من محتوى يشجع على العنف وتعاطي المخدرات والجنس، إلى حفلات مدل بيست التي صارت مسرحًا للفوضى الأخلاقية المعلنة، ترسم السياسات الجديدة صورة واضحة: النظام الذي يقمع الكلمة الحرة ويسجن المعارضين ويمارس أبشع أشكال التعذيب بحقهم، يفتح الباب واسعًا لانفلات أخلاقي مقنن وموجه وممول رسميًا، لا هدف له سوى صناعة وهم التغيير والانفتاح أمام الغرب.
السماح بالعنف والجنس والمخدرات في ألعاب الفيديو
إطلاق لعبة GTA 5 بعد 12 عامًا من الحظر، وبتصنيف 21+ فقط دون حذف أو تعديل، يكشف وجهًا آخر لرؤية 2030: تحطيم الضوابط الرقابية التي طالما فُرضت على المحتوى الثقافي بحجة حماية “القيم” المحلية، مقابل محاولة استرضاء جمهور شاب ضجر من التضييق الاجتماعي ويريد أي مساحة للتنفيس عن الإحباط المتزايد من غياب الحريات السياسية والاقتصادية الحقيقية.
لكن السماح بهذه الألعاب ليس قرارًا بريئًا أو حرية مستحقة، بل جزء من “الانفتاح الترفيهي الموجه”، حيث يتم استيراد نمط حياة غربي بالكامل، من دون أن يصاحبه أي إصلاح حقيقي يخص الحقوق أو الحريات العامة أو مساءلة الحكم المطلق. هكذا تتحول ألعاب مليئة بالعنف وتعاطي المخدرات والجنس إلى سلعة عادية في المتاجر السعودية، بينما يُحظر نشر تغريدة تنتقد النظام أو سياساته الاقتصادية.
حفلات مدل بيست… مشهد دخيل بلا رقابة أو هوية
تقرير Billboard الأخير يفضح ما يجري في حفلات مدل بيست التي يدعمها النظام رسميًا عبر شركة MDLBeast، والتي تموّل من أموال صندوق الاستثمارات العامة: مشهد مليء بالكحول، المخدرات، التحرش بالنساء، والشذوذ المعلن.
هذه الحفلات لم تعد مجرد فعاليات ترفيهية بل تحولت إلى رموز لتغريب ممنهج، حيث يجري استنساخ حفلات النوادي الأوروبية بكل تفاصيلها، حتى أسلوب بيع مشروبات البيرة (الكحولية وغير الكحولية) وسط أجواء تعمد إلى محاكاة صورة النوادي الليلية الغربية حرفيًا. هذا كله يجري بينما لا تزال الدولة تقدم نفسها باعتبارها “حامية الحرمين الشريفين” و”راعية القيم الإسلامية” أمام العالم الإسلامي.
ازدواجية السلطة: توبيخ صامت واستمرار الانفلات
التناقض الأكبر ظهر مؤخرًا حين استدعى الديوان الملكي رؤساء الجامعات والكليات الحكومية والخاصة ووبخهم بسبب “حفلات الاختلاط وظاهرة البويات”. رغم أن هذه الخطوة بدت كنوع من الاعتراف الرسمي بأن شيئًا ما خرج عن السيطرة، فإنها بقيت خطوة سرية بلا بيان رسمي أو مساءلة حقيقية. لم يصدر أي قرار يحد من هذه الظواهر أو يوقف حفلات مدل بيست، التي تستمر تحت رعاية رسمية كمشروع اقتصادي وترفيهي يروج له كدليل على نجاح رؤية 2030.
هذا التناقض الفاضح يكشف أن النظام السعودي نفسه يعرف أن هذه السياسات لا تلقى قبولًا واسعًا بين قطاعات المجتمع، لكنه ماضٍ فيها لأنها أصبحت جزءًا من خطابه الدولي لبيع صورة “السعودية الجديدة المنفتحة”، حتى لو كان الثمن مزيدًا من تفكك البنية الاجتماعية والمحافظة الثقافية.
صناعة انحلال مُرَخّص: ترفيه بلا إصلاح حقيقي
ما يجري اليوم هو صناعة ترفيهية موجهة تهدف إلى إلهاء الداخل واسترضاء الخارج، لا إلى تحقيق أي انفتاح حقيقي على قيم التعددية أو الديمقراطية أو الحريات. محمد بن سلمان يقدم حفلات الترفيه العابثة والتراخيص السهلة لمحتوى العنف والجنس والمخدرات كـ”إنجازات”، بينما يواصل قمع كل صوت ناقد أو مختلف سياسيًا.
المفارقة أن كل هذه الأنشطة الترفيهية تمولها الدولة نفسها عبر صندوق الاستثمارات العامة، الذي يستخدم موارد الشعب في شراء عقود الحفلات والأنشطة، بينما المواطن العادي يئن تحت عبء البطالة وارتفاع الأسعار والضرائب الجديدة.
انفتاح بلا هوية… تسطيح ثقافي ومجتمع بلا حصانة
رؤية 2030 كانت، نظريًا، خطة لإنهاء الاعتماد على النفط وبناء اقتصاد حديث ومتنوع، لكنها على أرض الواقع تحولت إلى مشروع تسطيح ثقافي يستورد أسوأ ما في الثقافة الغربية (الكحول، المخدرات، الانفلات) ويعجز عن تبني أفضل ما فيها (الحرية السياسية، حقوق الإنسان، الرقابة الشعبية).
ما يجري في السعودية اليوم ليس إصلاحًا حقيقيًا بل انفتاحًا بلا هوية، مشروع ترفيهي مفرغ من أي مضمون تنموي جاد، هدفه إبهار الغرب وصناعة وهم حداثة بلا قيم راسخة أو رؤية مستقلة، بينما يبقى المواطن السعودي رهينة تضييق سياسي شديد، وتهميش اجتماعي واضح، وإقصاء ممنهج لأي صوت ناقد.
حفلات مدل بيست، إطلاق GTA 5، الكحول في الحفلات، كل هذا ليس سوى قشرة سطحية تخفي تحتها نظامًا يقمع شعبه سياسيًا ويعرض ثقافته وهويته للبيع الاقتصادي، تحت عنوان “الترفيه والانفتاح”.