ندّد حقوقيون تونسيون بقرار تقييد ومنع الرابطة التونسية لحقوق الإنسان من زيارة السجون، معتبرين الخطوة مؤشرًا خطيرًا على تراجع منظومة حقوق الإنسان وتنامي مخاطر الانتهاكات بحقّ المساجين، وصولًا إلى التعذيب و”الموت المستراب” والإفلات من العقاب. 

وفي تصريحات حذّر حقوقيون من أن إغلاق أبواب الرقابة المدنية يعيد السجون إلى دائرة العتمة التي سادت قبل الثورة، حين كانت أماكن الاحتجاز بعيدة عن أي مساءلة.

منع الرابطة… تعديل أم إلغاء مقنّع؟

قال عضو الرابطة الشادلي الطريفي إن فروع الرابطة تتعرض لمنع متكرر من زيارة السجون خلافًا لمذكرة التفاهم المبرمة مع وزارة العدل التونسية. وأوضح أن الاتفاق لم يُلغَ رسميًا، لكن أُدخل عليه “تعديل جوهري” يفرض الترخيص المسبق لكل زيارة، وهو ما ترفضه الرابطة لأنه يفرغ الزيارات من مضمونها الرقابي.

وأضاف الطريفي أن هذا المنع لا يخدم لا الوزارة ولا الرابطة ولا عشرات آلاف السجناء، ولا صورة الدولة التونسية، مشيرًا إلى أن محاولات الحوار مع الوزارة اصطدمت باشتراط الترخيص المسبق، وأن المنع تصاعد خلال الشهرين الأخيرين، بالتزامن مع دخول سجناء سياسيين في إضرابات عن الطعام. وتلفت الرابطة إلى أن المذكرة تنصّ أصلًا على إعلام مسبق قبل ساعات أو أيام قليلة، لا على إذن إداري مُقيد.

ردّ الوزارة: اتهام بخرق الالتزامات

في المقابل، نفت وزارة العدل وجود قرار بإنهاء مذكرة التفاهم، وقالت إنها لاحظت “خرقًا متكررًا” من الرابطة لالتزاماتها، عبر ترويج “معطيات مغلوطة” عن أوضاع بعض المساجين دون احترام الضوابط الإجرائية المنصوص عليها. وأكدت حرصها على احترام حقوق الإنسان داخل المؤسسات السجنية، داعية الرابطة إلى الالتزام بما ورد في المذكرة لضمان مواصلة العمل بها. غير أن حقوقيين يرون في هذا الرد محاولة لتبرير تقييد الزيارات بدل معالجة الإشكال عبر آليات مشتركة وشفافة.

انتكاسة بعد مكاسب الثورة

المحامية وعضو هيئة المحامين بتونس سعيدة العكرمي اعتبرت أن السجون ومراكز الاحتجاز كانت قبل الثورة “مناطق مظلمة” تُمارس فيها الانتهاكات بعيدًا عن الرقابة. وبعد 2012، سمحت مذكرات تفاهم لعدد من الجمعيات بزيارة السجون ورصد الانتهاكات وتقديم توصيات إصلاحية، بما يتماشى مع القواعد النموذجية لمعاملة السجناء: الحق في الأكل والنظافة والعلاج والاتصال بالعائلة والمحامي.

وتذكّر العكرمي بأن العمل بتلك المذكرات تقلّص منذ 2015، ولم يُجدَّد إلا لجهات محدودة، مؤكدة أن الرصد والتوصيات أسهما في الوقاية من التعذيب وتحسين المنظومة السجنية. وترى أن تقييد زيارات الرابطة حلقة إضافية في مسار التضييق على المجتمع المدني وتقليص دوره الرقابي.

التستر على التجاوزات والإفلات من العقاب

بدوره، شدّد السياسي والمحامي سمير بن عمر على أن فتح السجون أمام منظمات حقوق الإنسان كان من مكاسب الثورة ويقع ضمن سياسة الشفافية والحوكمة الرشيدة. والعودة عن هذا المكسب—بحسبه—تعكس توجّهًا للتحلل من آليات الرقابة، ما يفتح الباب أمام تجاوزات يشعر مرتكبوها بالأمان في ظل غياب المساءلة. وأضاف أن قطع المساجين عن محيطهم الخارجي يندرج ضمن “تكميم الأصوات الحرة” والتستر على ما يجري خلف الجدران.

سياق أوسع: قمع متصاعد وأسماء تحت الضغط

يربط حقوقيون قرار المنع بسياق سياسي أوسع يتسم بتشديد القبضة على الفضاء العام. قيس سعيد بوصفه رأس السلطة التنفيذية ينكل بالمعتقلين في مرحلة تشهد—وفق منتقدين—تراجعًا في الضمانات الحقوقية، من تضييق على الجمعيات إلى مآلات شكاوى التعذيب والموت المستراب داخل السجون، ومدى الجدية في التحقيق فيها. ويؤكد حقوقيون أن غياب الرقابة المستقلة يزيد من هشاشة أوضاع المحتجزين، خصوصًا السجناء السياسيين.

خلاصة وتحذير

يخلص الحقوقيون إلى أن منع أو تقييد زيارات الرابطة ليس إجراءً إداريًا عابرًا، بل رسالة سلبية تُقوّض الشفافية وتُنذر بانفلات الانتهاكات. ويطالبون بإعادة فتح السجون أمام الرقابة المدنية المستقلة، واحترام روح ومقتضيات مذكرات التفاهم، بوصف ذلك شرطًا أساسيًا لحماية كرامة السجناء وصون ما تبقى من مكاسب الثورة في مجال حقوق الإنسان.

اقرأ أيضًا : بن زايد يحوّل الإمارات إلى ملجأ للصهاينة: أمن الدولة بيد الشاباك