في مشهد استثنائي عابق برمزية الثورة والتحدي، أُعلن في العاصمة السورية دمشق، من قصر الشعب تحديداً، عن التشكيلة الوزارية الأولى في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024. 

بحضور الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، بدت مراسم الإعلان كمحطة فاصلة في تاريخ البلاد، ليس فقط على مستوى الأسماء والمناصب، بل في الرسائل السياسية التي حملتها الكلمة الافتتاحية للشرع، والتي اتسمت بلغة إصلاحية شاملة، عكست محاولة جادة لبناء ما وصفه بـ”دولة جديدة من رحم الثورة والشعب”.

الرئيس الشرع، القادم من صفوف الثورة أطلق العنان لرؤية حكومية جديدة، مركزها المساءلة، ومحورها الشفافية، ووقودها جيل الشباب والمهجرون العائدون. 

فقد بدا واضحًا أن الخطاب كان موجّهًا إلى الداخل السوري المُثقل بجراح عقد من الحرب والاستبداد، وإلى الخارج المتحفز لمراقبة تحولات سوريا ما بعد الأسد، التي يريدها الشرع “موحدة، صلبة، مقاومة للفساد، ومنفتحة على العالم”.

 

تمثيل شعبي وخطاب إصلاحي

تشكيلة الحكومة المكونة من 21 وزيرًا حملت في طياتها رسائل متعددة، لعل أبرزها أنها حكومة تكنوقراط من رحم الشارع السوري، لا امتداد لنظام الأمن والمخابرات الذي هيمن لعقود.

إذ ضمّت شخصيات من خلفيات مهنية وأكاديمية، ولم يُعرف عن أي من أعضائها سابقًا ارتباطات مباشرة بأجهزة النظام السابق أو تحالفاته الإقليمية، ما يعزز خطاب القطيعة مع عهد الأسد.

الرمزية الأبرز تمثلت في استحداث وزارات جديدة مثل وزارة الشباب والرياضة، ووزارة الطوارئ والكوارث، وهو ما يعكس تحوّلًا في أولويات الدولة نحو الاستثمار في الإنسان والتأهب لمواجهة التحديات، بعيدًا عن الأمنويات العسكرية التقليدية.

ومن اللافت كذلك الأسماء التي تولّت وزارات حساسة كالخارجية والدفاع والداخلية، حيث كُلف أسعد الشيباني بالخارجية، وهو دبلوماسي معروف بمواقفه الداعمة للثورة في المحافل الأممية، بينما تولى مرهف أبو قصرة وزارة الدفاع، وهو أحد القادة العسكريين في صفوف الجيش المعارض سابقًا، بما يشير إلى مزج متوازن بين الكفاءات السياسية والميدانية.

ملامح برنامج سياسي واقتصادي طموح

تحدث الشرع خلال كلمته عن مشروع وطني متكامل، تتصدره مكافحة الفساد وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، مع التركيز على المحاور الإنسانية والمعيشية التي تمثل أولوية للسوريين في الداخل والشتات. 

وقال الرئيس بوضوح: “لن نسمح للفساد بالتسلل إلى مؤسساتنا”، في إشارة مباشرة إلى إرث النظام السابق الذي كان الفساد أحد أبرز معالمه.

وبينما تعاني سوريا من انهيار اقتصادي خانق، أعلن الشرع عزم الحكومة على تأهيل الصناعة، وإنعاش العملة، وحماية الإنتاج المحلي، وتهيئة بيئة استثمارية جديدة، في ما بدا كبرنامج إنقاذ اقتصادي طارئ، وإن لم تُكشف تفاصيله بعد. 

كما أعرب عن نية الحكومة استقطاب الكفاءات السورية من دول المهجر، وهو ما يعكس وعيًا بإمكانيات الطاقات البشرية المهاجرة التي تشكل عمقًا استراتيجيًا للدولة الناشئة.

أما على صعيد الخدمات، فقد تم تسليط الضوء على التعليم والصحة كأولوية قصوى، وهو ما يتطلب بحسب محللين موارد ضخمة وإرادة سياسية صلبة، وسط تحديات إعادة الإعمار ومخلفات الحرب.

حكومة ولدت من الشارع.. فهل تنجح؟

حكومة الشرع الأولى تبدو في ظاهرها محاولة جادة لترجمة شعارات الثورة إلى مؤسسات، لكن التحدي الأكبر الذي ينتظرها لا يكمن فقط في قدرتها على تنفيذ برامجها، بل في الحفاظ على ثقة الشارع السوري الذي دفع ثمنًا باهظًا من الدم والتضحيات على مدى سنوات.

التوازن بين بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية، وتفكيك إرث الاستبداد، ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، سيحدد مستقبل هذه الحكومة. 

فإما أن تنجح كحكومة تأسيسية تكتب فصلًا جديدًا في تاريخ سوريا، أو تتحول إلى محطة عابرة في سلسلة التجارب الانتقالية المتعثرة.

في كل الأحوال، الشرع وحكومته على موعد مع اختبار حقيقي، ليس فقط في كواليس قصر الشعب، بل في شوارع حمص وحلب ودرعا وإدلب، حيث يقبع الشعب السوري الحقيقي، ينتظر العدالة والتنمية والكرامة.

اقرأ أيضًا : غارة إسرائيلية على منشأة طبية تخترق كل الخطوط الحمراء